طرائف شاعر الشباب:بقلم: محمد المر

الشاعر المصري (أحمد رامي) حصل على شهرة عريضة بسبب غناء سيدة الغناء العربي (أم كلثوم) لقصائده واشعاره, والحقيقة ان أحمد رامي أو شاعر الشباب كما كان يلقب يستحق تلك الشهرة عن جدارة فنية, فهو يعتبر من أفضل شعراء مصر في القرن العشرين . كتب أحمد رامي الشعر الوطني والعاطفي والوجداني وترجم مسرحيات شكسبير ورباعيات الخيام وألف أغنيات أم كلثوم الرائعة مثل (انت الحب) و(يا مسهرني) و(هجرتك) و(حيرت قلبي معاك) و(عودت عيني) و(دليلي احتار) و(ياظالمني) وغيرها.. واحمد رامي عندما كتب الاغنية الشعبية كما يقول (صالح جودت) حمل رسالة أدبية وقومية ضخمة, هي رسالة الوثوب بالاغنية الدارجة من السفوح الى القمم في الكلمة العامية وان يرقق عواطف العامة بالشجن والانين والذكريات وغيرها من الكلمات التي تخلق الصور والتي لم تعهدها الاغنية الدارجة من قبل.. وحتى أصبح رامي زعيم مدرسة في الغناء, لم يتأثر بها المؤلفون المحدثون وحدهم وانما امتد تأثيرها الى روح الملحن وحنجرة المغني ايضا. وقد ذكر الكاتب (احمد عبدالمجيد) في كتابه اللطيف (رحلة مع الظرفاء) بعضا من طرائف ونوادر شاعر الشباب ومنها ما يلي: ـ كان يسكن بجوار رامي أحد المحبين للشعر ولكنه لم يكن يهتم بالعروض والبحور والقوافي والاوزان وكان في كل مرة يعود منها رامي مرهقا من عمله, يحل به هذا الجار ليقرأ عليه ما يكون من نظمه. فيقول له رامي: مكسور يا استاذ. وثاني مرة يقول: مدشدش يا حبيبي. وثالثة يقول له: مدغدغ يا أخ. وفي اخر المطاف صرخ المتشاعر وهو يقول لرامي: انته متقصدني! ده ظلم! دي مش معاملة!.. مش طريقه دي!.. فقال له رامي وهو محتد ايضا: شوف يا أخ, احنا عندنا هنا بنوزن كده, وان ما كانش عاجبك, روح إوزن بره.. ـ كان لنا صديق يحضر مجلسنا ويسمعنا ونحن نتطارح ما يكون كل منا قد نظمه. فيقول: يا جماعة دي حاجة عجيبة أوي. كل اللي أنتم بتقولوه خطرت على بالي معانيه وكثير من ألفاظه واشاراته يبقى إيه ده يا رامي, توارد خواطر ولا مناجاة أرواح؟! فأجابه رامي: لا أبداً, تقدر تقول ان احنا شعراء بقافية, وانت شاعر بلا قافية.. ـ ذات مساء سهر رامي مع اصدقاء له في صدر الشباب في فرح امتد سهرهم به حتى ساعة متأخرة. وكان معهم صديق من سلالة اسرة ثرية, ولكنه كان متلافا فأضاع كل ما ورث وبقي من أملاك العائلة بيت كبير في الحلمية من بيوت الوقف, فعرض على اصدقائه ان يناموا عنده فلا مواصلات الان, ولا قدرة لهم على السير الطويل. فوافقوه ودبّر لهم أماكن للمبيت وكانوا خمسة. وكانوا يحسون بالبرد, لان صاحب الدار كان كلما احتاج, عمد الى ضلفة باب او شباك او زجاج نافذة او أكرة أو مسند سلم وخلعها وراح يبيعها, حتى كاد البيت يخلو من الأثاث, وراح صاحب الدار يفكر قبل النوم في كيفية افطارهم بعد ان دبّر نومهم.. وعندما اصبح الصباح شم النائمون روائح بيض مقلي وبسطرمة وفول وزبد, ولم يصدقوا, حتى ان احدهم ظن انهم يحلمون لعلمهم برقة حال الداعي.. وقاموا جميعا ليفاجأوا بسماط ممدود حوى كل ما كانوا ينسمون رائحته. وبعد شرب الشاي والقهوة, أرادوا ان ينصرفوا, وبحثوا عن احذيتهم فلم يجدوها, فسألوا صاحب الدار عنها, فراح يضحك ضحكا متواصلا وهو يقول: ما أكلتوها وكان اللي كان.. ـ قال رامي: كنت في صدر الشباب, اغادر داري بعد الغروب, وأعود اليها قبل الشروق. وكنت الاحظ كلما هممت بالانعطاف من الحارة التي أسكن احد منازلها, ان رأسا صغيرا يطل وهو يلتف بغلالة بيضاء ناصعة من وراء مشربية من مشربيات بيوتنا القديمة وظننت ـ والشباب كثير الظنون والخيلاء ـ انها تنتظرني لتراني, والليل ستّار يلف العشاق بحجب, ويحميهم من أنظار دخيلة. وقد أكبرت في هذه العاشقة دأبها على انتظاري في نفس موعد خروجي, وعند عودتي لتطمئن عليّ في رجوعي.. ولم تكن نفسي, ولا التقاليد, تسمحان لي حتى برفع النظر الى أبعد مما يحميني من مزالق الطريق, ولا ينبغي لي, وهي من أهل حيي ان ارجوها حتى في منامي. وكأني كنت أقول مع من قال: واني لا استحييك حتى كأنما/ /عليّ بظهر الغيب منك رقيبُ ورحت انظم فيها شعراً يحوي ويضم المعاني التي تثيرها مشقة النوى وحنين الوجد واكبار الوفاء,وانطوي على وجدي وسهدي, وذات يوم خرجت من داري قبل الغروب, واذ بعيني تفلت مني, وترمق حبيبة خيالي, ومهوى حنيني ألعفّ, وحناني المشفق, لأكتشف انها ((قُلةn) تلتف في شاش ابيض رقيق مبتل, ليتبرد الماء بهذه الوسيلة.. وفقدت ليلاي, وأفقت من حلم جميل..

تعليقات

تعليقات