استراحة البيان: الأسطى عبدالنعيم.. في البيت الابيض: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

على الطريق العام, وعلى ناصية شارع جانبي في الضاحية الهادئة ــ كانت هادئة في تلك الايام ــ كان يوجد محل الأسطى عبدالنعيم . كانت اللافتة المعلقة اعلاه تقول (دار التجميل) .. وهو عنوان فيه قدر كبير جداً من المبالغة, فصاحبه مجرد (حلاق) متواضع لا علاقة له بالجمال.. لا شكلا ولا موضوعاً.. أما عن الشكل فقد كان الرجل ضخم الجثة كالح الوجه وفي عينيه حول غير مريح, ويداه غليظتان يعلوهما شعر كثيف.. كأنما سقط عليهما من رأسه ليتركها صلعاء لمساء من غير سوء. ومن حسن الحظ ــ حظ زبائنه ــ انه لم يكن يتولى عمليات التجميل, اي الحلاقة بالمقص والموس بنفسه, وانما ترك العمل بعد ان قارب الخمسين لصبيين اكثر منه لياقة وأخف دما, ويدا. وفي مواجهة (دار التجميل) , على الناصية الأخرى للشارع الجانبي كانت توجد كافتيريا المعلم جودة, وهي لم تكن كافتيريا بالمعنى المفهوم, فهي لا تقدم لزبائنها سوى المشروبات الساخنة والشيشة وصنفين او ثلاثة من المياه الغازية المضروبة في معظم الأحيان.. وفي ركن بجوار بابها عربة فول وطعمية يديرها (سوكة) شقيق المعلم جودة, ولا يعرف احد هل كان اكبر منه او اصغر, ولعلهما كانا توأمين.. فالشبه بينهما شديد. حتى لا تكاد تميز احدهما عن الآخر لولا علامة ظاهرة في ساق سوكة اليسرى قيل أنها من آثار نكسة 1967. غير ان وجود عربة الفول هو الذي اسبغ على المحل اسم الكافتيريا.. ولولاها لظل اسمها مقهى او قهوة مثل العشرات من امثالها على الطريق العام.. ولأن رواد كافتيريا المعلم جودة كانوا من العمال والبوابين وما اشبه, فقد كنا, معشر الافندية, من طلبة الجامعة او صغار الموظفين من أهل الضاحية الهادئة نحس بقدر من التمايز الطبقي لا يسمح لنا بالاختلاط مع (الدهماء) في مقهاهم.. ولذلك كنا نفضل ان نستمتع بالجلوس بجوار باب دار التجميل, مستفيدين من مساحة زائدة في الرصيف تبعدنا عن الشارع بضعة امتار.. وهناك تأتينا طلباتنا من الكافتيريا .. ومن عربة الفول, وطبعاً كراسي الجلوس. واصبح هذا هو ملتقانا اليومي.. ومع الوقت اصبح الاسطى عبدالنعيم, بكل سلبياته.. صديقا لنا جميعا.. غير أني, رغم كل ما اتصف به من قدرة على التسامح لم استطع ابداً ان اغفر للاسطى عبدالنعيم سلبية بعينها كانت تزعجني منه كل الازعاج, وتجعلني اتمنى لو اني في مثل حجمه ووزنه او اضخم حتى انهال بالصفعات على وجهه الغليظ دون ان اخشى رد الفعل... ذلك انه كان لا يدع فتاة او امرأة تمر من أمام (دار التجميل) الا ويلاحقها بنظرات شرهة تكاد تجردها من ملابسها, ثم يشفع ذلك بسيل من الغزل غير العفيف دونه ما قال عمر بن ابي ربيعة في هند التي (استبرت تشتد في أثره تسأل أهل الطواف عن عمر!) . ثم لا يكتفي بذلك بل يضيف هامساً كأنما يعترف بسر خطير.. هل تعلمون؟ لقد كانت لي مع هذه الفاتنة منذ ايام, ليلة لن انساها ما حييت! وبعدها, يسهب في وصف احداث (ليلته) بالتفصيل وكأنه يعرض أحد افلام البورنو... حتى كان ذات مساء.. تفرق الملتلقى اليومي على رصيف دار التجميل. ولم يبق مع الاسطى عبدالنعيم سواي. ومرت أمامنا سيدة فاضلة اعرفها جيدا لأنها زوجة أحد أصدقائي.. وكعادته, بدأ صاحبنا معزوفته المشروخة حتى فاض بي الغيظ فلم استطع معه صبراً.. واستجمعت اطراف شجاعتي لكي اقول له رأيي فيه وفي مزاعمه, مستخدما في ذلك كلمات من نوع (حقير) و(سافل) و(مخلول) ومنهيا ثورتي قائلاً: ــ هل دار بخيالك لحظة ان واحداً منا يمكن ان يصدق حرفا من اختلاقاتك؟ ــ فوجئت بالرجل الضخم يتضاءل, ثم يرفع رأسه نحوي قائلاً في شبه استعطاف ــ أنا أعرف جيدا أنكم لا تصدقون. ــ اذن لماذا...؟؟ ــ اجاب ببساطة. هذه مجرد عمليات تدريبية.. تمرينات مثل تمرينات الجيش بالذخيرة غير الحية.. الا ترى في مباريات كرة القدم ان اللاعب الجالس على دكة الاحتياطي يظل يجري ويقفز في الهواء بدون كرة قبل ان ينزل الى الملعب؟.. أنا الآن في العمر الاحتياطي.. واحتاج الى بعض التمرينات قبل عودتي للبيت كل يوم. كان هذا هو تبرير الأسطى عبدالنعيم, الحلاق... وهو طبعاً عذر أقبح من ذنب, ولكن هل تصلح مثل هذه الحاجة للمناورات بالذخيرة غير الحية مبرراً لمغامرات الرئيس كلينتون. ان الفارق الوحيد هو ان عبدالنعيم لم يكن يستطيع سوى اختلاق القصص والروايات بينما كلينتون, سواء وهو حاكم لولاية اركنساس او وهو رئيس للولايات المتحدة كان في وسعه دائما ان يسبغ على هذه القصص قدراً من الواقع... قد يبدأ وينتهي على شكل قبلة طويلة وعناق اكثر مما يجب, ومداعبة وقحة, مثلما قالت (كاثلين ويلي) على شاشة تلفزيون (سي بي اس) عن مغامرتها مع الرئيس الامريكي على باب المكتب البيضاوي سنة 1993, او كما قالت (دولي كيل) التي كانت تلعب معه لعبة (عريس وعروسة) في المدرسة ثم استمرت العلاقة بشكل أكثر نضجاً فيما بعد... ولكن الامر يختلف مع جنيفر فلاورز التي كانت تعمل بملهى ليلي في اركنسو عندما بدأت علاقتها بحاكمها بيل كلينتون, ثم كافأها بتعيينها في منصب اداري في الولاية... وقد وصفت لياليها معه بأنها كانت مملة, وطويلة للغاية, وأنه ليس (جذابا) كما تتصور الكثيرات... وكذلك باولا جونز التي لم يجد كلينتون ما يقوله عن اتهامها له بالتحرش بها سوى أنها دميمة خالية من الانوثة... وأخيراً وليس آخراً (مونيكا ليفنسكي) التي تتهم الرئيس الامريكي بأنه حاول اقناعها, بالوعد تارة وبالوعيد تارة اخرى حتى تتراجع عن اعترافاتها ضده امام لجنة التحقيق المستقلة.. ويبدو ان القائمة لن تنتهي.. والتهمة الموجهة الى كلينتون ليست كل هذه العلاقات.. اذ يبدو ان المجتمع الامريكي على استعداد لغفرانها باعتبارها (عمليات تدريب) .. وانما استخدام سلطاته للايقاع بصديقاته وتعيينهن في وظائف دون استحقاق, ومحاولة التأثير على العدالة بالضغط على بعضهن حتى لا يقلن الحقيقة.. وهذه اتهامات يمكن لو ثبتت ان تؤدي بكلينتون الى نفس المصير الذي أودى بنيكسون.. ولكن.. ماذا عن هيلاري.. السيدة الأولى؟ الواضح حتى الآن انها تتناول الأمر بعقلانية شديدة جداً, وانها تدرك جيدا ان اي رد فعل طبيعي ولكن غير محسوب منها لن يؤدي الا الى سقوط زوجها وسقوطها معه.. ومن ثم فهي تعلن في كل مناسبة ثقتها في زوجها, وفي كذب كل هذه الاتهامات (التي دبرتها وتدبرها عناصر يمينية مغرضة) .. ولا يعلم الا الله, ما اذا كانت هيلاري ستظل متمسكة بهذا الموقف العاقل جداً بعد ان يودع كلينتون البيت الابيض... غير ان الذي لا شك فيه انها ليست في صلابة (ديانا) .. التي ركلت بكل عزم عرش المملكة البريطانية.. وهو بلا شك اكثر دواماً وأبهة من منصب السيدة الأولى للولايات المتحدة.. انتصاراً لكرامتها كزوجة, قبل ان تكون أميرة.. أو ملكة..

تعليقات

تعليقات