الشاعر سيف الرحبي لـ(البيان) بعد 13 عددا من فصلية (نزوى) العمانية: الثقافة بحاجة الى منابر اكثر فاعلية

سيف الرحبي شاعر ومثقف عماني بارز, ولانه من الشخصيات ذوات الرؤية والخيارات المحددة, فإن رئاسته لتحرير مجلة (نزوى) الفصلية العمانية ـ بالاضافة الى عوامل اخرى ـ ظهرت بوضوح على صفحات المجلة التي اصبحت خلال مدة وجيزة واحدة من اهم المجلات العربية المتخصصة. وفي حوار صريح تطرق رئيس تحرير (نزوى) وعضو مجلس الدولة العماني الى عدد من القضايا ذات الاهمية عمانياً وخليجياً وعربياً وهو ما يقتضي التوقف أمامه قليلاً. الشعر وثيقة ابداعية - بعد ثلاث سنوات في رئاسة تحرير مجلة (نزوى) , ما هو جديد سيف الرحبي على الصعيد الابداعي؟ ــ اجاب سيف الرحبي بأن ديوان (جبال) الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت منذ نحو عام واعتبره النقاد محطة هامة على صعيد الممارسة الشعرية التي تمتد زمناً ونشراً الى اواخر السبعينات وفي هذا السياق ايضاً صدر اخيراً عن دار شرقيات بالقاهرة كتاب (معجم الحجيم) وهو عبارة عن مختارات شعرية بنوع من بانوراما مشهدية تجمع نماذج مختلفة من هذه التجارب التي تشمل دواوين ثمانية كتب في خضم شتات مكاني وذهني لا حد له. فالشعر في نهاية المطاف نوع من وثيقة فنية وابداعية لحياة الشاعر والكاتب وحياة المرحلة بكاملها. وبالنسبة لمجلة نزوى, فهي في حد ذاتها ممارسة ابداعية وثقافية تندرج في السياق ذاته وحين يصدر عدد من هذه المجلة اشعر بنوع من انجاز ابداعي ضروري ان يكون في هذه المرحلة بالذات على الصعيد المحلي وربما على الصعيد العربي بصورة عامة, فالشاعر على ما اظن حين يتاح له دور ما في تفعيل الثقافة وتفعيل الحياة الابداعية يصبح هذا مدرجاً في صميم الممارسة الابداعية والحياتية بنفس المستوى من التسامي الروحي والفكري. واضاف انه لا يخفى عليك الامر ان هذه الفترة على الصعيد العماني حبلى بافراز مثير ابداعي يستطيع ان يلم شتات الاصوات المضيئة والمتميزة في الخارطة الشعرية والثقافية, كما يستطيع ان يذهب بعيداً في تقديم الموروث الابداعي الكبير للاسلاف كما عبرت عنه آلاف المخطوطات والمطبوعات التي تتوزع في خارطة انشغالات ومجالات مختلفة بحاجة الى تقديم للقارىء المعاصر برؤية وبمنهج مختلفين عن التعاطي السائد, اي بنوع من صيغة مقنعة وحضارية وعلمية لتقديم هذه المادة أو هذا التراث. حرص على تعددية الرؤى - هل هناك ما يمكن تسميته باعتبارات او معادلات معينة يتم مراعاتها من جانبك او ما يمكن ان نطلق عليه مزيجاً واعياً في تقديم ذلك؟ ــ اجاب رئيس تحرير مجلة نزوى التي استقطبت اهتماماً واسع النطاق داخل وخارج عمان, بطبيعة الحال انا في ممارسة مسؤولياتي الثقافية اختلف عن الممارسة التي يتطلبها مزاجي الشعري الخاص فعلى صعيد المسألة الاولى لا بد ان اتبنى نوعاً من موضوعية ممكنة ومن تعددية في الرؤى والافكار والنصوص لا يمكن لاية مجلة او منبر ثقافي ان يتطور وان يبنى له مكانة متميزة في الخارطة الثقافية الا اذا اخذ بهذه الاعتبارات الاساسية. واضاف سيف الرحبي اعتقد ان تاريخ الثقافة العربية يحفل بدروب مختلفة من القسر والاكراه الايديولوجي والسياسي لفرض نمط بعينه من التفكير ومن الكتابة ومن المزاج, وحتى من العيش على الآخرين, أو فرض صيغة صارمة ومنجزة من طرف واحد على اطراف وممارسات, لو اتيح لها فرص التعبير لاثرت لاختلافها المشهد الثقافي والفكري فالآخر في نهاية القول هو مرآة تجديد الذات وتجديد الرأي باستمرار ولك ان تتصور الاكراهات التي سادت فيها هذه الانواع من التصورات الايديولوجية التي تدعى امتلاك كامل الحقيقة من غير شك ولا تساؤل ولا نقصان. بمعنى آخر انا في ممارستي الشعرية والحياتية بالغ التناقض والمزاجية التي تصل الى حد الانانية بالمعنى الابداعي, لكني لست كذلك ابداً في ممارسة الدور الثقافي على صعيد المحلية أو على أصعدة أخرى. - اذن الازدواجية موجودة في حياة الكاتب والاداري؟ ــ طبعاً, وهذه مسألة حمالة اوجه, كما يقول النقاد القدامى, فهناك نوع من الرقابة المنطقية التي يمارسها الشاعر او الكاتب على نفسه وسلوكه في فترات معينة, وهي ربما تكون بالغة الصعوبة بالنسبة لشخص مثلي عاش معظم حياته بما يشبه الحرية التي تصل احياناً حد الانفلات من ربغة اية مسؤولية او تخطيط مسبق.. حياة وابداعاً لكنني اعتقد ان الحياة هي مجمل هذه الاطوار وهذه التناقضات, وعلينا ان نستوعبها هكذا شرط ان يظل الروح الابداعي مختلفاً يقظاً باستمرار وله الدور الحاسم كتابة وحياة. تعبير عن الجميع - بعد 13 عدداً صدرت من مجلة نزوى .. هل تشعر من واقع مسؤوليتك ان نزوى تعبر وبشكل كامل او شبه كامل عن الساحة الثقافية العمانية بوجه خاص والخليجية بوجه اعم؟ ــ اجاب سيف الرحبي اعتقد انه لا صحة على الاطلاق للقول بأن المجلة تعبر عن تيار بعينه, والامر ليس سراً, وانما من خلال قراءة الاعداد المختلفة للمجلة يتضح للعين العابرة, وليس المتعمقة فحسب, ذلك التنوع والتجاور لانماط التفكير وانماط التعبير والتصورات المختلفة في مجالات الكتابة والابداع التي تندرج في سياق اهتمامات المجلة. واضاف انه هناك احياناً كلام مجاني لا صلة لصاحبه اطلاقاً ومنذ ايام التقاني شخص في مكان ما في السلطنة وقال لي (يا سيف اقترح عليكم ان تعملوا تحقيقات عن الاماكن العمانية والفنانين العمانيين) فبماذا استطيع ان اجيب على هذا الشخص. انه لم يقرأ المجلة على الاطلاق, لان المجلة ومنذ أول عدد حتى الآن مختزنة بهذه الهواجس والتحقيقات وتطويرها وفق رؤية ابداعية. وطبعاً هناك مقياس القيمة الابداعية للكتابة, مهما كانت نوازع هذه الكتابة او اتجاهاتها واماكنها ونحاول ان نستخلص من الساحة العمانية أفضل الاصوات واكثرها طموحاً واعتقد أنها عبرت ولو بشكل نسبي بالطبع عن هواجس وانشغالات وطموحات الثقافة في عمان في حدود سياقها كمجلة, فالثقافة بحاجة طبعاً من اجل تفعيلها ونشرها بصورة افضل الى منابر وروافع ومقومات مختلفة, ليست المجلة الا نافذة من نوافذ هذا الافق. ومضى رئيس تحرير مجلة نزوى يقول اما على الصعيد العربي, فاعتقد وفق ردود الفعل من قبل جهات مختلفة في الثقافة العربية بأن المجلة ـ نزوى ـ لها مكانة معينة في خارطة هذه الثقافة وهواجسها واهتماماتها الطليعية واترك هذا الكلام للآخرين وعلينا أن نقوم بدور في حدود الممكن. ورضاء الناس وخاصة المثقفين غاية لا تدرك ولا نحن نسعى الى ذلك ولا نحبذ ولا نجامل, وانما نمضي هكذا باتجاه المجهول الابداعي المضيء في آخر هذا النفق العربي المليء بالجثث والانقاض والظلام الدامس. - ولكن كيف يمكن ان نضيء هذا النفق المليء بالجثث والانقاض والظلام الدامس؟ ــ اعتقد انه في البرهة الزمنية في الوطن العربي, وهي برهة انكسارات وهزائم متلاحقة منذ 1967 وحتى حرب الخليج والجزائر التي ادخلت المنطقة الى افق شبه مسدود يستنكف المثقف العربي الصادق والحقيقي عن تبني اية ايديولوجية تبشيرية, وانما يكون اقرب الى تبني الابداع والثقافة والفكر الحر بعيدا عن اي حقيقة تتوهم حلولاً حاسمة لاي شيء. ربما هذه العناصر من المساءلة لبنيات الحياة العربية القائمة, ولبنيات الفكر تزهر مستقبلاً نوعاً من أمل أوشك تقادم الاحداث العربية ان تؤدي به الى صحارى لا رجعة منها. السياق العام للفكر العربي -ألا ترى انك تجاوزت بعض الاشياء المضيئة وغيرها على امتداد هذه الفترة من 67 وحتى الآن؟ ــ قال سيف الرحبي, هذا ليس تحليلاً, وهناك احداث قليلة طيبة ولكن هذا هو السياق العام للفكر العربي. انا أشير, وأشير فقط, ولا اصل, ولا اتبنى منظومة فكر ما يدعى التماسك في امتلاك الحقيقة ظاهرياً, وهو في الصميم بالغ الهشاشة والتهافت, كما يحصل عند كثير من المنظرين العرب, اشير وافكر بشكل اقرب الى حدوس الشاعر, وهواجس الفنان, وارمي ايضاً فيما ارمي اليه الى منظومات الفكر العربي التي سادت منذ ما سمي ببدايات عصر النهضة هذه النهضة بعناصرها وفكرها وطموحاتها التبشيرية الكبيرة لم تنجز على اي نحو من الانحاء, وعلى اي سياق من سياقات التاريخ والحضارة وانما تواتر الاحداث والتقلبات في التاريخ العربي والعالمي ادت الى نقوص اكبر, والى تخلف وقمع في ضوء مقاييس التقدم الضوئي الذي حصل في مراكز هذه الحضارة الكونية المهيمنة من برهتنا الراهنة. مسقط ـ عبدالحميد الموافي

تعليقات

تعليقات