ستة فنانين يبحثون عن قيم جمالية بأساليب مختلفة:(وهج) وموسيقى في (ملتقى) تشكيلي تجريدي بدبي

يخال للناظر الذي يجول اروقة معرض (وهج)التشكيلي المقام حاليا في قاعة (الملتقى) بمركز دبي التجاري العالمي, انه امام مدرسة فنية واحدة تنتمي في خطوطها العريضة الى التجريدية التي لا تسمي الاشياء باسمائها بل تعيد صياغتها او خلقها من جديد, رغم ان الفنانين المساهمين في هذا المعرض ينتمون الى منابع ومدارس فنية مختلفة شكلا متجانسة مضمونا, لذلك جاءت اعمالهم المعروضة في الملتقى تحمل هاجسا مشتركا من البحث عن القيم الانسانية السامية من حق وخير وجمال. يشارك في هذا المعرض عبد الرحيم سالم من الامارات محمد فهمي من العراق - مصطفى خضر من مصر - حكيم الغزالي من المغرب - وطلال معلا وعبد اللطيف الصمودي من سوريا وكان سبق لكل منهم ان اقام معارض فردية داخل الامارات وخارجها او معارض جماعية ثنائية او ثلاثية او رباعية منذ فترة قصيرة في صالات التشكيل التي تحتضن تظاهرات مميزة كالتي تقام حاليا في صالة المتلقى, ولئن كانت هذه التجربة تحتاج الى وقفة تأملية اطول نظرا لكثافة لوحاتها, فانها من خلال قراءة سريعة تقدم كل لوحة نفسها على اساس يختزل كثيرا من تجربة الفنان, حيث تبدو لوحات طلال معلا التي تأتي بشكل ثنائيات متقابلة حينا متنافرة حينا اخر, او متقاربة متجانسة او تضادية باسلوب ينم عن رغبة داخل معلا للخروج من ربقة ما الفته العين نحو عوالم من التماثل او التطابق بالوان حارة فيها سخونة الحياة وايقاعها الصاخب الى جانب قسوة الالوان الداكنة والتي كثيرا ما سيجت لوحاته باساور من ندم الماضي, وبذلك يخرج معلا في هذه المرحلة من محاولة الهدم الساكن الى محاولة الهدم البناء. في حين يجنح زميله عبد اللطيف الصمودي الى تجريد تطريزي مفرداته النباتية كثيرة من زخارف او جذوع اشجار او اوراق خمائل وصولا الى كائنات غير مرئية او مصنفة علميا الى اي جهة اوكسجينية تنتمي وهذا ما يزيدها غموضا وقوة لتصبح في نهاية المطاف لوحة يخالها الناظر متشابكة المفردات بداية ثم سرعان مايجد حنينا جارفا عبر مفرداتها الصغيرة الى الماضي او الى ماكان يزين جدران الكهوف او المعابد. اما مصطفى فقد اعتمد لغة بصرية بالوان زاهية فيها انكسارات توحي بريف بعيد, او خطوط فاصلة بين الالوان تحمل حتمية الفصل بين لونين نقيضين هما جذر لوحته وبينهما تنهض ملامح لاشخاص او لاحياء او لنوافذ تتحول وسط اللوحة الى كرنفالات لونية تغزوها الخطوط الحادة وكأنها ضربات سكين استقرت في الختام على جسد لوحته. عبد الرحيم سالم في مشاركته هذه كان اكثر بهجة ووهجا ليس لانه اعتمد على جداريات ضخمة بل لانه جاء بتفاصيل موحية لاشخاص استقروا خلف درجة اللون الثاني او الطبقة الضبابية التي غطت لوحاته, وكأن ريحا هبت فجأة من شرفة او شاطىء بحر لتملأ اللوحة غبارا يخفي التفاصيل الدقيقة ويحولها الى دهشة تسكن الناظر وتحيله الى اسئلة بدائية عن اهمية غلاف الضباب؟ واذا كان لتلك الاسئلة مشروعيتها فان لعبد الرحيم سالم مشروعه ايضا الذي انجزه خلال رحلة بحث طويلة وصل فيها الى نقطة ارتكاز نحو عالم جديد في اختراق المجهول العذب او لخوض غمار حقل فسيح من الالوان عكس اتجاه الريح. ولكن على نقيض كرنفالات اللون التي رأيناها لدى معلا وخضر وصمودي وسالم يقف محمد فهمي لدى نقطة الضوء التي مازال يفتش عنها وسط ظلال دامس يلف لوحته حينا او يبهره ان الشمس ستظهر حتما في نهاية كل ليل, وهو بذلك يرجع الى نداءات الخليقة الازلية التي تجد خلف كل عقبة كأداء سهلا اخضر او بقعة ضوء يطل منها الامل. في حين يكتفي حكيم الغزالي ببياضاته الموحشة ويلجأ الى ما يشبه الرموز الصغيرة التي تبقى في الذاكرة من ايام المدرسة فهنا حرف تائه وسط اللوحة وهناك نقطة قرب سطر غامض واخرى في زاوية بعيدة وسط لوحة بيضاء كأنها صفحة كتاب او قطعة قماش سقطت عن حبل الغسيل وحملت شيئا من هوام الارض, والارجح ان الغزالي في معظم لوحاته يحمل هما تصوفيا خجولا لا يقدم نفسه ببساطة, ولكن يطل برأسه عبر مجمل اعماله المشاركة في هذا الملتقى. تجربة الفنانين الستة تصب جميعها في بحث تجريدي وتحمل كل تجربة خصوصيتها وفرادتها وتستحق اكثر من عبارات سريعة في صحيفة ولكنها جاءت في وقت تزدحم فيه الانشطة من جهة وضيق المساحة الزمنية المخصصة للمعرض من جهة اخرى (18 - 22/3) اي خمسة ايام لا تكفي لمتابعة حدث بهذه الاهمية مع اشارة اجد من الضروري وضعها في نهاية هذه القراءة وهي ارضية المعرض كانت اشبه بلوحات مربعة من اللونين الازرق والذهبي والتي تناسب حفلا آخر وليس معرضا فنيا لانها شتت انتباه الحاضرين - وهذه مسألة يمكن ان يتداركها المنظمون مستقبلا. مع قبعة ترفع احتراما للفرقة الموسيقية الثلاثية التي قدمت مقطوعات ومقامات شرقية شجية عشية افتتاح المعرض. كتب حسين درويش

تعليقات

تعليقات