بلفاست مسقط رأس تايتانيك لا تريد استثمار التاريخ

تجتذب فاجعة التايتانيك ملايين المشاهدين الى دور السينما في مختلف أنحاء العالم ولكن الغريب ان بلفاست مسقط رأس هذه السفينة العملاقة الفخمة لا ترغب في جني أرباح من هذا الاهتمام. كانت التايتانيك أفخم وأضخم عابرة محيطات أبدعها الانسان, وكان طبيعيا ان تبنى هذه المدينة العائمة في بلفاست زعيمة التكنولوجيا البحرية في عام 1912 عندما أبحرت في رحلتها الاولى المشؤومة. وبينما يجني صناع الفيلم الملحمي عائدات بملايين الدولارات يوجد تطير تقليدي في بلفاست من استثمار ذكريات التايتانيك. يعتقد ايرلنديون بوجود صلة بين السفينة المشؤومة وتاريخ ايرلندا الشمالية المضطرب, أشباح مخيفة ليست فقط لنحو 1500 غريق ابتلعهم اليم عندما اصطدمت السفينة بجبل جليد عائم ولكن ايضا كراهية تسود الاقليم منذ أجيال. وبالنسبة لكثير من البروتستانت يرتبط غرق التايتانيك بأحلك اللحظات. قبل يوم من ابحار عابرة المحيطات العملاقة في رحلتها الاولى والاخيرة تم تقديم المشروع الثالث لقانون الحكم الذاتي الى البرلمان الانجليزي والذي ادى في النهاية الى استقلال ايرلندا. وهدد السير ادوارد كارسون البروتستانتي المولود في دبلن بتجنيد 80 الف متطوع مسلح للقتال من أجل حق البقاء كجزء من بريطانيا. وفي 1912 وقع نحو نصف مليون بروتستانتي في بلفاست بعضهم كتب اسمه بالدم على وثيقة تعهدوا فيها بمناهضة الحكم الايرلندي. وحاليا يستخدم بروتستانت التايتانيك كشعار يحذر من المصير الاسود للخطاة. وأخيرا حصلت ايرلندا على الاستقلال في 1921 بينما بقيت ايرلندا الشمالية وعاصمتها المزدهرة بلفاست تحت الحكم البريطاني. ويرى مايكل ماكوجان الخبير في تاريخ التايتانيك صلة منحوسة بين بناء نموذج للسفينة في هوليوود لتجري فيه أحداث فيلم في ضخامة التايتانيك وبين المشاكل المعقدة التي ابتليت بها عملية السلام في ايرلندا الشمالية. ومثلما تصادف تفجر العنف الطائفي مع ابحار التايتانيك تزامن افتتاح الفيلم في بلفاست مع تجدد هجمات الثوار في تهديد لهدنة طويلة. قال ماكوجان (تطابق تاريخي, ابحار التايتانيك في 1912 كان وسط أزمة الحكم الذاتي, ونزل الفيلم الى السوق في 1998 في وقت وقوع هجمات طائفية اثناء مفاوضات السلام) . ولا تزال أوناش حوض شركة هارلاند وولف بانية التايتانيك ترتفع في افق بلفاست ولكنها حاليا تبني سفنا صغيرة اغلبها لصناعة التنقيب عن النفط. كما تبيع الشركة هدايا تذكارية مختلفة عن التايتانيك ولكنها لم تكن مستعدة لتفجر الطلب, قفزت المبيعات الى عشرة أضعاف منذ عرض الفيلم. وبنفس القدر فوجىء متحف وسائل المواصلات في بلفاست بتأجج حمى التايتانيك, لم يجدد المتحف مجموعته الكئيبة القديمة عن الفاجعة. وبينما تزدحم دور السينما في الشرق والغرب بتحفة هوليوود يكاد يخلو متحف التايتانيك في بلفاست من الزوار ويخيم عليه جو معتم وأجهزته الصوتية معطلة.

تعليقات

تعليقات