استراحة البيان: يا أهلا بالبشاير! يكتبها اليوم - جلال عارف

بيني وبين المسرح عشق قديم. منذ ان كانت مدارسنا معاهد للتربية الحقيقية تهتم بالموسيقى والفنون, ونمارس فيها الرياضة, ونتعلم حتى زراعة البساتين وانتظار الورود وهي تنمو واحترامها حين تكتمل . في هذا المناخ ارتقت الاذواق, ورقت الاحاسيس, وانتعشت الفنون, وكان الشعر والموسيقى خبزا يوميا لشباب عن الطريق, ويرتبط بقضايا الوطن, ولا يجد اي تعارض بين الاستمتاع بما منحه الله سبحانه وتعالى لنا وما أبدعه المبدعون من البشر,وبين النضال ـ حتى الاستشهاد ـ من اجل ان يتحرر الوطن ويتحرر المواطن وتنفتح ابواب التقدم امام الجميع. ولقد أكرمنا الله بأن نشأنا في عصر كان ذلك كله متاحا امامنا.. العمل الجاد والاستمتاع بالحياة, النضال حتى الاستشهاد وارتشاف ارقى الفنون حتى الثمالة, ان يكون الوطن ساكنا فيك وان تكون ابنا عزيزا على الوطن يرعاه ويحميه ويتيح له كل امكانيات العلم والثقافة والابداع في كل المجالات. ولا أريد هنا ان اكتب مرثية لهذا الزمن الجميل, ولكن فقط ـ ولاسباب ستعرفها بعد قليل ـ أريد ان اتحدث عن المسرح الذي كان ـ وما زال بالنسبة لي ـ وردة الليالي الجميلة في سماء القاهرة. وتصور معي ان مسرحا واحدا يقدم في موسم واحد ابداعات لتوفيق الحكيم ويوسف ادريس وسعد الدين وهبه ونعمان عاشور وعبدالرحمن الشرقاوي. وتصور معي اي متعة تعيشها مع السلطان الحائر للحكيم, او (فرافير) يوسف ادريس, او (عائلة الدوغري) للجميل الرائع نعمان عاشور, أو (حلاق بغداد) لالفريد فرج, او (الفتى مهران) للشرقاوي. ثم بعد ذلك (دخان) ميخائيل رومان وجيله الذي كان فيه علي سالم قبل ان يخون نفسه ويدوس على مبادئه, ويتحول من كاتب واعد الى مندوب اعلانات ودعاية لدى اسرائيل!! بقروش قليلة كنا نشاهد كل هذا الابداع الجميل, وبقروش أقل كانت مقاهي القاهرة تضمنا حتى الصباح ونحن نتناقش حول الجديد فيما شاهدناه, ونقارن بين أداء سميحة ايوب وسناء جميل,وبين اخراج كرم مطاوع وفتوح نشاطي وسعد اردش, ونتبارى في تقييم أداء حسين رياض وتوفيق الدقن وعبدالمنعم ابراهيم ـ والشباب يومها ـ وحتى الان حتى لا يضربنا احد ـ سهير المرشدي وفردوس عبدالحميد ومحمود ياسين وجيلهم الذي كان يملك العلم والموهبة والفرصة التي اتاحها لهم المجتمع على أوسع نطاق! في تلك الايام كان الموسم المسرحي يبدأ في اكتوبر من كل عام, وتستطيع خلاله ان تشاهد مسرحية جديدة كل اسبوع, فلم نكن قد ابتلينا بتلك الآفة التي تبقى المسرحيات التافهة على المسارح سنوات طويلة يذهب خلالها جمهورها القادر على التحمل وعلى دفع ثمن التذاكر الباهظة, على أمل ان يسمع (نكتة) جديدة, بعد ان اصبح الممثلون يضيفون الى المسرحيات كل يوم ـ من عندهم ـ ما يعتقدون انه يذهب الملل عن المشاهدين, وبعد ان اصبحت هناك مهنة جديدة رائجة في السوق الفني,وهي تجارة النكت والمواقف الضاحكة التي يشتريها النجوم من المؤلفين لكي يضيفوها الى المسرحيات وينتزعوا بها الضحكات.. أما البناء الدرامي والنص الذي أبدعه الكاتب, فعليه ألف رحمة ونور!! في هذه الايام كان افتتاح مسرحية جديدة عيدا فنيا حقيقيا. وكنا نذهب ليلة الافتتاح وكأننا ذاهبون لحفل عرس.نجلس بين كوكبة من الكتاب والنقاد والصحافيين نشاهد العرض ونحتفي بالابداع ونراقب لهفة الممثلين في النهاية على معرفة رد الفعل لان ما ستكتبه الصحف بأقلام النقاد الكبار هو الذي سيحدد مصير المسرحية. وكلمة من عبدالقادر القط او علي الراعي او رشدي صالح او رجاء النقاش تعني الكثير بالنسبة للفنانين ـ وبالنسبة للجمهور ايضا. ثم جاء زمن آخر, اختفى فيه المسرح الجاد,وجاء مسرح فيفي عبده وهياتم. وانحدر الحال بمسرح القطاع العام حتى خلت المقاعد او اظلمت القاعات, بينما ازدهر المسرح السياحي حيث لا نص ولا دراما ولا اخارج,وانما توليفة اصبحت محفوظة.. ممثل كوميدي, وراقصة, ومطرب شعبي, و.. اخويا هايص وانا لايص! اخر عهدي بهذا النوع الاخير من المسرح, حين ذهبت لمسرحية قيل لي انها ستحقق نجاحا وانها ذات مستوى لا بأس به. وجلسنا في الصفوف الاولى مع عدد من الكتاب والنقاد والصحافيين, وبدأ العرض متأخرا كالعادة, وبعد قليل بدأ بطل العرض يتبادل القفشات مع الجمهور, ثم اخرج جيراننا في المسرح لفة كبيرة ظهر انها مملؤة بسندوتشات كبدة ولحوم, واخذوا يعزمون على الممثلين واتفضلوا معانا.. بالهنا والشفا.. وعامل البوفيه يلاحقهم بالكوكاكولا! وفي الاستراحة نفدت بجلدي, وخرجت هاربا, ومن يومها لم اشاهد هذا النوع من المسرحيات.. مع ملاحظة ان المسرحية التي احدثك عنها استمرت تعرض ــ وبنجاح هائل ــ لأكثر من خمس سنوات! بالطبع كانت هناك استثناءات هنا وهناك, ولكن الطابع العام للمسرح كان كذلك, مسرح القطاع العام يعرض للكراسي الخالية, ومسرح القطاع الخاص يقدم أي شيء الا المسرح الحقيقي! الآن... يبدو ان الامر في طريقه للتغيير. في الصيف الماضي انكسر المسرح الخاص وتراجعت ايراداته بصورة رهيبة, واغلقت الكثير من المسارح الخاصة أبوابها, لم تعد (التوليفة) المعتادة تجذب أحدا, واسعار التذاكر التي كانت تناسب السياحة العربية لا تناسب البيت المصري. وبدأ نجوم الكوميديا يعيدون حساباته, وفي نفس الوقت بدأت الحياة تدب في مسرح القطاع العام, وقبل أيام شاهدت مسرحية (الطيب والشرير) التي يقدمها مسرح الدولة, عرض جميل اقتبسه الفريد فرج كاتب المسرح الكبير من الف ليلة وليلة وابدع في اخراجه احمد عبدالحليم الفنان العائد من غربة طويلة قضاها في الكويت, وتألق في تمثيله يحيى الفخراني مع كوكبة من الفنانين ومع المبدعة التي تملأ المسرح المصري الان حياة وجمالا.. الفنانة سوسن بدر. وليس هذا مجال استعراض العمل المسرحي ولكن يكفي ان نقول انه نص محترم حتى ولو لم يكن اجمل نصوص صاحب (سليمان الحلبي) و(حلاق بغداد) وهو ايضا عرض جميل زادته اشعار جمال بخيت وموسيقى الفنان علي سعد جمالا, ولكن المهم انني ذهبت لمشاهدة العرض في نفس الليلة التي كان التلفزيون ينقل فيها مباراة هامة في بطولة افريقيا لكرة القدم. ولدهشتي كان المسرح ممتلئا وجاءوا لنا بكراس اضافية, في نفس الوقت الذي كانت مسارح القطاع الخاص تغلق أبوابها... وتتعلل مرة بمرض البطلة ومرة بانشغال البطل في السينما او التلفزيون, بينما الحقيقة ان الجمهور قد انصرف عن هذا النوع من العروض الهابطة! نور الشريف أيضا يقدم عرضا راقيا على المسرح القومي, وكانت آخر تجاربه مع المسرح الخاص تجربة مريرة له ولنا حين قدم (كنت فين يا علي) فلم ينجح فنيا ولا حتى جماهيريا, ولكنه في العرض الجديد (يامسافر وحدك) يعود لرشده المسرحي ويعود معه الجمهور الذي يحب نور ويحب المسرح. وربما نكون امام بداية جديدة ومبشرة فجمهور المسرح الحقيقي بدأ يعود للمسرح والفنانون الحقيقيون بدأوا يدركون, أي جريمة ان تتبدد مواهبهم في انتاج ركيك ومبتذل قد يستهوي البعض لفترة ولكنه محكوم عليه بالموت, ومسارح التفاهة اغلقت ابوابها, والمناخ العام بدأ يتجاوز مرحلة العبث التي عشناها سنوات, والتي انتقلت من السياسة الى الثقافة والفن... فاصبحت مدرسة في الغناء على يد أحمد عدوية وخلفائه غير الراشدين.. ومن السح الدح امبو) الى (كامننا) واصبحت في السينما هوجة اسمها سينما المقاولات, واصبحت في المسرح موجة تنكسر الان... وبشدة, موجة بدأت (بالمدبوليزم) التي كنا نهاجمها لأننا كنا نقارنها بمسرح الحكيم ونعمان عاشور ويوسف ادريس وسعد وهبة, وانتهت بالهايتيزم (نسبة الى هياتم) والفيفيزم (نسبة الى فيفي عبده) والشحاتيزم (نسبة الى الشحات مبروك) الذي اصبح بطلا سينمائيا ومسرحيا.. ولا حول ولا قوة الا بالله! بشائر المسرح الحقيقي ظهرت, فلننتظر البشائر في ميادين آخرى, ولنغسل بالبهجة أحزان سنوات الجفاف.

تعليقات

تعليقات