استراحة البيان: حافظ نجيب... هذا المغامر المجهول! (2 - 3): بقلم- محفوظ عبدالرحمن

لو انك لم تتابع ما كتبته عن حافظ نجيب في هذا المكان في الاسبوع الماضي, لما ازعجني هذا, فالمتابعة الدقيقة اصبحت من سمات زمن مضى, وزحام ما نقرأ وما نرى جعلنا لا نتعامل مع الواحد الصحيح, يقول صديق: هل رأيت فيلم الامس في قناة كذا؟ وبالصدفة قد تكون رأيته, والاغرب انه قد يكون رآه آخرون, فتتحدثون عن الفيلم وما فيه, وتبدون الاعجاب والاستياء, ثم تكتشفون ان احدا منكم لم يره كاملا, فهذا بدأ منذ ان فعل البطل (كذا) , وهذا اتته مكالمة من فلان فابعده عن الفيلم ربع ساعة أو اكثر. ورحم الله اياما كنا نذهب إلى دور السينما قبل ان يبدأ العرض بساعة ومازالت هذه العادة القديمة مترسبة في وجدان بعض الناس, وانا من الذين يذهبون إلى المسرح قبل العرض بساعة, واذا تأخرت فيكون وصولي قبل نصف ساعة, ودائما ما اجد من اراه, وهذا يدل على اننا اما ان نذهب مبكرا جدا, أو متأخرا جدا! وفي المسارح الاوروبية يصيبني الفزع عندما اصل إلى المسرح قبل الموعد بساعة أو نحوها فلا اجد شخصا واحدا, فهذا يعني لي انهم اغلقوا المسرح في هذه الليلة, وربما ذهبت وسألت فيردون علي ـ في كل مرة ــ ان موعد فتح المسرح لم يحن بعد, ويمضي الوقت ثقيلا, ويزداد القلق عندما لا يبقى من الزمن سوى ربع ساعة, ولم يأت احد بعد, ثم فجأة يأتي الناس جميعا, فلا ينفرج الستار الا والمقاعد كلها ممتلئة! هذا من بقايا زمان مضى, اما الان فالامور تغيرت كثيرا. في احدى الندوات التلفزيونية تحدث ناقد, بانه من الصعوبة أو ربما كان مستحيلا ان يرى المسلسل كاملا ليكتب عنه, وكانت المفاجأة ان كاتب المسلسل وهو مؤلف كبير, قال انه لم ير حتى الآن مسلسلا كاملا من مسلسلاته الثلاثين. ارأيتم إلى اي حد وصلت المتابعة؟ فاذا قلت لي انك لم تقرأ ما كتبته عن حافظ نجيب في الاسبوع الماضي, سأرى هذا جزءا من الظاهرة العامة. أحد الذين قرأوا ما كتبته في الاسبوع الماضي ضحك كثيرا, وقال انني مبالغ, قلت له: اذا تحدثنا عن مغامر مثل ارسين لوبين له افعال مدهشة, فلابد ان تكون هناك مبالغات فهذه طبيعة الاشياء. ولقد كنت متابعا لاحداث من سمي في زمنه بالسفاح, وكان اسمه محمود امين سليمان وقيل انه ادعى في فترة من الفترات انه محمود امين العالم الناقد والمفكر الكبير, وهناك ما يجعلنا نصدق هذا فلقد كان محمود امين (السفاح) , ناشرا قبل ان يصبح سفاحا, ولا ادري العلاقة بين المهنتين؟! وكان مكتبه في بناية شهيرة في وسط القاهرة تسمى (عمارة ستراند) ولا ادري من اين اتى هذا الاسم؟ وغالب الظن انها بنيت مكان سينما ستراند, وكانت ــ أو مازالت ـ عمارة تجارية كئيبة, وكان لمجلة (الشهر) , التي عملت فيها فترة مكتب في هذه البناية, فأصبحت جارا لجيران محمود امين سليمان يحكون لي عنه وعن اخباره, وتشاء الصدفة ان يكون ذلك مع بدء مغامرات محمود امين سليمان وكيف انه سطا على هذا القصر فتصرف كأي جنتلمان. وكيف انه اقتحم هذا المكان رغم الحراسة المشددة عليه. وكيف انه هرب من قصر العيني رغم حصاره. كيف ان الشرطة وصلت إلى مقره فعلا. فأخذت بعض ملابسه ووضعتها امام انوف الكلاب البوليسية, لكي تتابعه حيث هو, لكنه افشل هذا العمل قبل ان يبدأ, ذلك انه اغرق ملابسه قبل الهرب بالعطور مما ضلل الكلاب. ولان رئيس تحرير مجلة (الشهر) وصاحبها كان سعدالدين وهبة, وكان آنئذ قريب عهد بعمله في الشرطة, فكان على اتصال بالداخلية لمعرفة اخباره, وكلما عرفنا انه محاصر اصابنا الانزعاج الشديد, وكلما عرفنا انه هرب من الحصار, احسسنا بالراحة, ولقد ادهشتني هذه الاحاسيس, وربما كانت لاننا كنا نرى في محمود امين سليمان البطل الذي يحتج باسمنا, ولم يفسد هذه الصورة ابدا, فلم يعتد على ضعيف, ولم يستغل اية فرصة, ولم يسرق اكثر من حاجته, واحيانا اكثر من حقه, وكان اذكى من مطارديه, واكثر جرأة. ويوم طاردت الشرطة محمود امين سليمان إلى مغارات الصحراء, ثم قتلته بالرصاص, بكينا جميعا, وفيما بعد كتب عنه نجيب محفوظ (اللص والكلاب) , ونشرت (اخبار اليوم) الخبر في مانشيت يقول: مصرع السفاح, اما المانشيت الثاني فكان تحته مباشرة وهو: عبدالناصر في الباكستان, فأصبح المانشيت كما لو كان: مصرع السفاح عبدالناصر في الباكستان!! ويقال ان هذه كانت الخطوة الاولى في ضيق جمال عبدالناصر من الاخوين علي ومصطفى امين, والتي انتهت بكارثة للاخوين, ويقال ان مصطفى امين كان اقرب الصحفيين ـ في تلك الفترة ــ إلى جمال عبدالناصر حتى كان هذا المانشيت. وفي يقيني ــ عكس كل ما كتبه الجميع ــ ان هذا التلميح لم يكن مقصودا حقا فمصطفى امين صحافي كبير ولا يقع في هذا الخطأ, ولكن الوقوع فيه ــ من وجهة نظري ــ أليس من تصور مصطفى امين انه يستطيع القضاء على جمال عبدالناصر بمانشيت في صحيفة! يفهمه واحد ويستغلق فهمه على عشرة. وكنت ارى فيما يحكى عن محمود امين سليمان مبالغة, وربما شاركت فيها دون قصد, وهذا طبيعي, وكذلك الامر في حافظ نجيب الذي كان ارسين لوبين عصره قبل ان يصبح ارسين لوبين معروفا بين الناس. ورغم اتفاقنا على انه قد تكون هناك مبالغات في مغامرات حافظ نجيب, لكن هناك دلائل بين ايدي الناس مثلا خبر وفاته وحضور مسيدكارتييه رئيس البوليس السياسي في وقته ومندوبي الصحف للتأكد من ان المتوفى هو حافظ نجيب, وانها ليست لعبة اخرى من الاعيبه. ولقد حكى هو نفسه عن دفنه, ثم استيقاظه من النوم في المقبرة, وكيف بحث عن الآلات التي اخفاها, وفتح بها المقبرة, وعاش بعد ذلك باسماء اخرى. ثم كيف عاد إلى اسم حافظ نجيب وسوى قضاياه مع الحكومة, وكتب مذكراته تحت عنوان (اعترافات حافظ نجيب) , وكان (جمع) الحروف يأخذ وقتا طويلا في هذه الايام, فلما وصل (الجمع) , إلى قصة موت حافظ نجيب المصطنع, مات فعلا حافظ نجيب. في صفحة 210 من المذكرات التي وصلت إلى 288 صفحة نشرت سعدية الجبالي نعي مؤلف الكتاب, ومازلت في حيرتي من هي سعدية الجبالي بالنسبة للكاتب المغامر, ففي المقدمة كما قلت من قبل يخاطبها بابنتي ويتحدث اليها قائلا: كما ربيتك, وفي المقدمة التي كتبتها سعدية الجبالي لم تشر إلى ان حافظ نجيب هو ابوها, بل قالت: ارغمت الاستاذ حافظ نجيب على نشر اعترافاته في حياته بدلا من نشرها بعد مماته... وفي الصفحة 210 التي اشرنا اليها تتوقف سعدية الجبالي لتنشر نعي حافظ نجيب, فنرى في الصفحة اليمنى صورة له, ومن الصورة اظنه اقرب إلى القصر والامتلاء, وعلى وجهه ابتسامة تستحق دراسة مستفيضة, فلقد اختلط فيها الذكاء بالمكر بالطيبة باللامبالاة... الخ. ثم نقرأ نعي سعدية الجبالي! هنا نقف لحظة حداد, فقد سطا الموت على والدي المرحوم الاستاذ حافظ نجيب, إلى هنا افل نجم تلك الشخصية الجبارة, والعقل الفذ المكتمل. ثم تقول: ومن احكام القدر ان يموت اثناء طبع هذا الجزء من اعترافاته وهو كيف دفن وعاد إلى الحياة. في النعي تقول (والدي) , فهل هو والدها ام لا!؟ وازدادت حيرتي, ودفعني اليأس إلى محاولة البحث, اتصلت بالسيدة ليلى الجبالي, وهي كاتبة متميزة, ولها تاريخ صحافي متفوق, ولا ادري لم لا تواصل الطريق, ربما كان كسل الفنان, وربما كان الاحساس بعدم جدوى الاشياء, وان قالت لي انها عكفت على عدة مشروعات, وانه سيصدر لها كتاب جديد. وسألتها عن سعدية الجبالي التي ربما تكون الآن فوق السبعين اذا كانت على قيد الحياة, وبحثت السيدة ليلى الجبالي وقالت لي انه ليس في العائلة حيا أو ميتا ما يمكن ان يكون سعدية الجبالي التي اقصدها. وكانت السيدة ليلى الجبالي ايضا ممن اشار إلى المبالغات في تاريخ حافظ نجيب, فقلت لها ما رأيك في دخوله الدير كراهب ومقابلته للبابا ورؤساء الكنيسة, وهو ما تحدثوا به, ونشر في الصحف في حينه. ولكن تلك قصة اخرى.

تعليقات

تعليقات