في مدن الحلم للتشكيلية وداد اورفه لي: حكاية لأزمنة سحيقة او تجربة تعكس روح الشرق

من لايعرف مناخات التشكيلية العراقية وداد اورفه لي او تعامل معها سابقا لابدله ان يشعر بصدمة ما فمن اللحظة الاولى التي تنتصب فيها اعمالها امامه بسحرها وخصوبتها , يدرك ان الدخول الى عوالم هذه الفنانة المسكونة بروح الشرق لابد ان تسبقه حالة انسلاخ عن ضوضاء الشارع والذهن, او علاقة النظر السطحية مع الاشياء والدخول بقداسة الطقس والمكنون الاسطوري, ولذلك لابد لمن يطالع الاعمال ان يدرك حاجتها الى اجواء خاصة واسلوبية عرض مغايرة تماما لما هي عليه في غاليرا الدار بدبي الذي يستضيف الفنانة اورفلي ولغاية 26 مارس الجاري. وعموما فان هذا المعرض يشكل فرصة مهمة للوقوف امام تجربة فنانة عربية اعطت الساحة التشكيلية منذ تخرجها من معهد الفنون الجميلة عام ,1962 ولذا فان هذه الاعمال هي امتداد لتجربة تجاوزت الربع قرن, اضافت فيه الفنانة مجموعة من الاتجاهات قبل ان تدخل في البحث التشكيلي الفنتازي السحري حيث قضت وقتا طويلا من تجربتها في رصد الواقع والتزمت بمعطيات وهموم المواطن العربي الذي مرت عليه اقسى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الستينات وبداية السبعينات حيث عاشت الفنانة فيها نقطة تحول اساسية وهامة في تجربتها وتتمثل هذه التجربة بالسكونية والسحرية وتقمص المكنون الرمزي لتخرج بتجربة تميزت وعرفت بها على الساحة التشكيلية العربية. ولان التشكيلية وداد اورفه لي تملك تاريخا طويلا مع الحياة والعمل الفني نكتفي بالحديث عن معرضها الحالي دون الانزلاق في ارشيفها المثير والمغري عبر محطات وتجارب عاشتها في معظم دول العالم التي تجولت فيها مع زوجها حميد العزاوي الموظف في السلك الدبلوماسي. مدن الحلم (2) هو عنوان معرضها الحالي ويشكل في اعماله مرحلة متقدمة لتجربتها الاولى مدن الحلم (1) لتتابع رحلة جديدة تخوضها الفنانة في عوالم الروحانيات, والاسطورة, ونكهة الشرق وخصوصياته ولذلك قد توحي اعمال هذه الفنانة للوهلة الاولى انها تتعامل مع المادة التاريخية او تجمع عناصره ومعطياته داخل اللوحة, فالتشكيلية اورفه لى تقدم تاريخا خاصا بها, وتصبح اللوحة تمثل تاريخا مستقلا ينعتق عن الماضي الواقعي ويسير بحالة اختزالية منمنماتية لتأسيس مدينة الشرق الحلم والمشتهاة. تعيش اعمال هذه الفنانة حالة تشكيلية بنائية, فاللوحة عبارة عن شكل متماسك العناصر يتلامس ببعض معطياته مع الجوانب الهندسية وتخترقه الفنانة بلمسات انحنائية وتداخلات معنوية تشكيلية لعشرات بل مئات الرموز الهلالية, التزينية, الدينية, وعالم الماورائيات الذي يعد الشرق من اكثر شعوب العالم ارتباطا به وولوجا في اعماقه, ولذلك فان اتجاه الفنانة نحو هذا العالم اعطاها فرصة هامة للتحرر والتخيل والانعتاق من قيد اللحظة الراهنة والذاكرة وتخيل المستقبل كما تشتهي الروح. ولذلك فان الشعرية هي اهم النقاط التي تتركز عليها الفنانة, وتبحر في عالم القص والرواية, والابداع الحقيقي, فهي لا ترسم بقدر ما تبتدع عوالمها التي يصل فيها البذخ على صعيد الفكرة والموضوع الى آخر مرحلة ممكنة. ولانها تتعامل مع مدن الحلم جاءت الوانها على غاية من الشفافية ومناخاتها العصرية هادئة متناغمة في حالتين ضوئيتين اساسيتين الفجر الاول في ضبابيته وسكونه البنفسجي والغروب في اريحيته وتدرجات الوانه بين الداكن والفاتح وما بينهما. ولذلك تستقر خلفياتها ومساحاتها البصرية في معظم اعمالها ضمن تدرجات مفتوحة على الافق البعيد والمجهول الذي لا يمكن التعامل معه الا في الخيال. وداخل هذه المساحات المفتوحة والمغرية تبدأ لعبة الفنانة مع التشكيل والتكثيف اللوني والشكلي لمدنها التي تشبه ممالك الاساطير البعيدة والف ليلة وليلة, زمن الامراء والفانوس السحري في سياق غامض ومبهم تتداخل فيه المستويات والعناصر لدرجة التماهي, فهي ترصد البناء, والزخرفية, الاجساد, التطريز , الحلي, التراث العربي, الهندي, الحضارات القديمة, النخيل العراقي, وغيرها من العناصر التي تدمجها وترتبط فيما بينها في عوالم اسلامية خالصة. للضوء في اعمال هذه التشكيلية حكايته الخاصة فالفنانة متمكنة تماما من اللون (الزيت) الاكرليك المائي, الحبر, وهذا التمكن سخرته اورفه لي جيدا لبناء التدرجات اللونية والضوئية وتعشيق اللوحة ان جاز التعبير, وبالتالي خلق حالة من التركيز عند المتلقي على الكتلة اولا والتماهي معها في عالمها الخاص ثانيا, والتجرؤ على تخيل خصوصية مدنها المثيرة وما يحدث خلف جدران الذهب وممرات الفضة. عالم التشكيلية اورفه لي مثير جدا, ويغري القارىء على ان يذهب في شطحات خيالية لانهاية لها الا ان موضوعية الحديث تجعلنا نخرج من اغراءات هذه الفنانة التي تمارس انوثتها الواضحة في العمل لتشير الى سداسية ذهنية وبصرية تعتمدها اورفه لي وهي: الضوء, اللون, الرمز, الماء, الاسطورة والاغتراب, وكلها عناصر جمعتها الفنانة بخبرتها الطويلة التي تجعلها واثقة مما تقدم وما تطرحه من اعمال مفتونة بالسحر والطقس الرمزي بحضارات اذابتها المعاصرة ومحت معالمها. ان معرض وداد اورفه لي هو باختصار قصة طويلة, وتجربة راقية امتدت عبر سنوات طويلة عاشتها الفنانة تبحث وتجرب ولعلها الى حد هذه اللحظة التي وصلت فيها الى 69 عاما من عمرها لم تصل الى عالمها, انها روح المكان التي تجعل الماضي ماثلا ابدا امام الحاضر على حد قول داريل. التشكيلية وداد الاورفه لي بين لوحاتها تجسيد لروح الشرق والاسلام

تعليقات

تعليقات