وظف فيه مخرجه دراسته للتصوف الشرقي: فيلم (توقعات كبرى) خال من كل عناصره في رواية ديكنز الاساسية

المستر ميكاوبر لم يأخذ دافيد كوبرفيلد الى السوبر ماركت ابدا والعم سكروج البخيل لم يرسل بريدا الكترونيا بشأن ترتيبات قضاء العطلة الى بوب كراتشيت . كما ان استيللا لم تقبل بيب ابدا مطلقا وان فعلت ذلك فلم يكن علنا ولم يشاهدهما احد. ولكنها هاهنا, استيللا (تلعب الدور بشكل مقنع جدا جوينث بالترو) في فيلم (توقعات كبرى) مع الفتى الذي يمتلك قلبه الى الابد واين؟ في حديقة سنترال بارك, من بين كل الاماكن. مخرج الفيلم الفونسو كوارون, في شرحه لكيفية اقتباسه السينمائي للموضوع من رواية لتشارلز ديكنز, قال: ان العلاقة الاساسية هي علاقة عاطفية, وهذا ما لم يسع اليه ديكنز. لقد تعامل ديكنز مع العواطف بطريقة فيكتورية خفيفة, اما الفيلم فهو يتعامل مع الامر بطريقة مكشوفة. وما عدا الحوار والمشاهد العاطفية الصريحة, فان القصة هي عن القبول والمصير, فالحبكة والدينامية هي نفسها هنا كما في الرواية الاساسية حسب كوارون. ففي الترتيب السينمائي الجديد يقوم الصبي بيب ــ وقد جرى تغيير اسمه الى (فين) في هذا الفيلم ـ بمساعدة سجين فار لانه في البداية ارتعب منه, ولاحقا لانه تعاطف معه, فهو دون طلب او تهديد يلقي بمعطف نجاة الى السجين السابح في الماء (يلعب الدور روبرت دي نيرو) . في الرواية الاصلية بيب يساعد ماجويتش لانه يعتقد ان السجين او شريكه المتخيل سوف يقتله, والمساعدة التي يقدمها بيب هي نتيجة اتفاق: حياته مقابل حرية ماجويتش. كوارون يعترف بوجود اختلافات بين الرواية الاصلية والفيلم الذي صنعه, ولكنه يقول انه لم يكن لديه الوقت الكافي ليبين المفارقة في ايمانه بالنخوة لدى الصبي. لقد احتاج الى دافع يمكن فهمه بسهولة, والا لماذا يتعهد السجين برعاية الصبي حتى يصبح رجلا من هنا جاء زهد فين بالمكسب او الخوف. الا ان الفيلم الكلاسيكي الذي صنعه دافيد لين العام 1946 يجعل سوء فهم الرواية واضحا جدا خلال الساعتين نفسيهما اللتين احتاج اليهما ليحكي القصة ذاتها سينمائيا. واذا تخيلنا عن هذه المقولة نرى ان الشخصيات يشعرون بالحرية نفسها لاداء ادوار شخصيات مختلفة تماما عما هو في الرواية الاصلية هنا بدلا من ان يطمح بيب ـ او فين ــ الى الثروة والمكانة ليصبح فنانا. وخطيب استيللا, الذي لم يعد ذلك الحقير الذي يريد ان يستولي على ثروتها ويستأثر بجمالها, يصبح انسانا مطاوعا لا يريد اكثر من ان يظل يحبها. والعم جو, الذي لم يعد الحداد الذي يقدم خدماته للسجن, يصبح صياد اسماك يعيش الحياة التي يختارها. استيللا ــ بالاداء المدروس المتألق الذي تقدمه جوينيث بالترو, هي الوحيدة التي تقترب من جوهر الرواية, وهو ان الافراد في المجتمع الصناعي هم ــ كما جاء في القول المأثور على لسان ويميك, معلم بيب ــ هم ممتلكات منقولة, وانها تقايض نفسها بالنعم التي يعرضها عليها خطيبها الذي لا تحبه. لدى سؤاله عن هذا الاختلاف قال كوارون انه شاء ان يأتي الفيلم مستوحى من تجاربه في مرحلة من حياته درس فيها التصوف الشرقي. ويصف كوارون فيلمه بانه (ساحر) (ووهمي) مضيفا ان السينمائيين الباحثين عن قصة ليروها يبحثون عن حبل يعلقون عليه البستهم. كوارون افعم فيلمه السابق (اميرة صغيرة) الذي نال الاعجاب (سنة 1995) بمشاهد مقربة من الرواية الاصلية للثقافات والمعتقدات الهندية, ولكن بالنسبة لرواية ديكنز كانت المصادفة مجرد اداة للحبكة وليس مسألة معتقدات فاذا علمنا انه اضاف على (توقعات كبرى) الكثير من الخضرة والاثارة العاطفية يظهر هناك سؤال بديهي: (لماذا استخدم احدى روايات ديكنز كأساس للفيلم؟) . قد يكون حقيقيا ان مغامرات كاتب النص ميتش عليزو السابقة كانت ناجحة وقد اشتهر جليزر كراند في تحميل حقبات سابقة بمفاهيم ومبادىء نهاية القرن. مثلا فيلم (البخيل) ,1988 نجح الى حد ما في مقابلة الحرص والاحتراز العصري بالميركانتيلية في تأملات ديكنز الاصلية بالجشع والانعزالية وفيلم (ديك تريسي) 1990 اطلق الاحتفاء بالسرد الشبيه بالافلام الكرتونية. اما الفيلم الاخير فليس محظوظا الى هذا الحد فهو يتعثر ويتهادى في محاولاته غير المجدية في النزاهة, فين يبدأ السرد هكذا: (انني لن احكي القصة كما حدثت بل سأرويها بالطريقة التي اتذكرها. وكان الفيلم سيوزع في 31 ديسمبر الماضي, ولكن توزيعه ارجىء الى اواخر يناير لتفادي شبح التنافس مع الافلام العملاقة, وكوارون يخشى الآن ان يكون فيلمه مجرد دراما صغيرة او مجرد توسع واسترسال في الموضوع. ولعله كان على المنتجين ان يأخذوا تعليمه من دي نيرو الذي يصر في احد المشاهد على ان يحشو احدى الحقائب باشياء تعكس شخصيته, بينها صحيفة استرالية. كوارون يقول مندهشا من الممثل انه شديد الدقة بالاشياء. لقد كان ديكنز دقيقا ايضا. ـ خدمة (أ.ب) نيويورك ـ رون كامبياس

تعليقات

تعليقات