استراحة البيان: مناقشات بيزنطية: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

كانت بيزنطة مدينة مزدهرة على شاطىء البسفور عند مدخل البحر الاسود, في المكان نفسه الذي تقع فيه اليوم اسطنبول . ولان اهلها كانوا مشغولين بالتجارة والمكاسب والالعاب الرياضية, فقد تركوا مهمة الحكم لما سموه (مجمع الفلاسفة) , عملا بنظرية افلاطون في جمهوريته الفاضلة, والتي اوضح فيها انها لا تستحق الفضل الا اذا كان رؤوس الحكمة فيها هم انفسهم رؤوس الحكم. واستمر الحال على هذا المنوال خمسمائة عام أو تزيد, الناس يتاجرون ويكسبون ويلعبون والفلاسفة يحكمون, حتى عام 196 بعد الميلاد, حينما زحفت جيوش الامبراطورية الرومانية نحو المدينة بهدف اقتحامها, وبالفعل فرض عليها الحصار من البر والبحر, فكسدت تجارتها, وتدهورت احوال مواطنيها, فتطلعوا إلى حكامهم ليجدوا لهم مخرجا. ولكن الحكام الفلاسفة كانوا مشغولين عن النظر في الدفاع عن مدينتهم بمناقشة قضية فلسفية في منتهى الاهمية وحارت في حلها ألباب العالمين ولعلها لم تجد الحل حتى يومنا هذا, تلك هي: ايهما اسبق للخلق البيضة أم الدجاجة. واستمرت المناقشات عشرين عاما واكثر, واصحاب البيضة لا ترجح كفتهم مرة حتى يعود اصحاب الدجاجة فتكون لهم الغلبة من جديد, وكلما ظهر دليل لقى حتفه تحت حجج وأدلة مناقضة. وكاد الفلاسفة ان يتحولوا إلى مقاتلين يذبح بعضهم بعضا من فرط احتدام المعركة حول البيض والدجاج, حتى ظهر رأي ثالث لا يخلو من وجاهة مؤكدا ان الاسبق دون الاثنين كان الديك, والدليل ان اول البشر كان آدم, ومن آدم جاءت حواء, ومن الاثنين جاء البيض, هابيل وقابيل, واخوتهم وابناؤهم الميامين حتى يوم الدين! وهكذا اصبحت المناقشة ثلاثية الاطراف, مما زادها سخونة واحتداما, وظلت الاصوات ترتفع, والوجوه تحتقن, والعيون تطلق الشرر, والايدي تدق مجنونة على المناضد, والاهالي في الشوارع كأنهم قطعان حملان دهمتهم الذئاب, والذئاب قد وصلت بالفعل, فقد اقتحمت جيوش الرومان المدينة فأعملوا في اهلها قتلا وتنكيلا, وكان الفلاسفة العظام مازالوا غارقين بكل حماس في مناقشاتهم الساخنة حول البيض والدجاج بعد ان اضيفت اليها فرضية الديك, حينما اقتحم قاعة مجلسهم الجنود الرومان فأتوا على رؤوسهم اجمعين. ومنذ ذلك اليوم اطلق مصطلح (المناقشة البيزنطية) على كل جدل من هذا النوع, لا طائل من ورائه, ولا يخدم الا الهاء اصحابه عن القضايا الاهم التي تهدد حياة الناس وعن الخطر الداهم المحدق فوق رؤوسهم مثلما كان محدقا فوق بيزنطة واهلها. غير ان هذا (الخلل البيزنطي) لا ينفي حق الانسان ــ كل انسان ــ في مناقشة ما يحيط به من علل وظواهر والبحث في اصلها ومنتهاها حتى يستدعي لصالحه ما فيها من خير, ويتقي ما تنطوي عليه من شرور. ومنذ اقدم العصور كان هناك طريقان لمناقشة اية قضية: الطريق الاول هو ان تفترض اولا افتراضا ما, ثم تحاول بعد ذلك جمع الادلة والظواهر التي تؤيد هذا الافتراض. وهذه بالذات كانت طريقة فلاسفة بيزنطة التي لم تصل بهم إلى نتيجة وادت بهم وبأهلهم إلى مصير الضياع الذي انتهوا اليه. والطريق الثاني, هو ان تتأمل الظواهر والوقائع المحيطة بالقضية موضوع المناقشة ثم تخرج منها معا بالنتيجة المنطقية المتفقة مع العقل والواقع. كيف يكون ذلك؟ قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك. شاهد احدهم رجلين يلعبان حول رقعة على منضدة فافترض لمرافقه من البداية انهما يلعبان لعبة الشطرنج, وراح يجمع الادلة على افتراضه. فالشطرنج يحتاج للاعبين ولا يحتمل ثالثا, وهنا لديهما لاعبان. والرقعة تتحرك فوقها قطع اللاعبين, وهذا ما يحدث في الشطرنج. وقطع اللاعبين بيضاء وسوداء, ولكل لاعب لون هو الذي يلعب به, وهما يتبادلان اللعب بالدور ولا يجوز لاحدهما ان يلعب مرتين متتاليتين, وهذا هو ما يجري امامنا الان, واذن, فهما يلعبان الشطرنج, ما في ذلك ريب. وحتى عندما اقتربا, وحاول المرافق ان يصحح لصاحبه رؤيته قائلا: ولكني ارى انهما يلعبان بثلاثين قطعة سوداء وبيضاء, بينما قطع الشطرنج اثنان وثلاثون, اجاب صاحبنا من فرط حماسه لوجهة نظره: بل ان لديهما اثنين وثلاثين قطعة, فهناك ايضا زهرتان إلى جوار القطع البيضاء والسوداء. وهكذا قاد المنطق المقلوب صاحبنا إلى استنتاج مناقض للواقع, وجعله ينكر حتى آخر لحظة ما يراه رأي العين, الا وهو ان اللاعبين يلعبان الطاولة, وليس الشطرنج. قال دبشليم الملك وهو يضرب كفا بكف: * كيف يمكن لأي انسان عاقل ان تنعدم لديه الرؤية إلى هذا الحد؟ ــ اجاب بيدبا الفيلسوف. هذا يحدث يا مولاي اذا وقف المرء على رأسه, فانه في هذه الحالة يرى كل شىء حوله مقلوبا. * وماذا في ذلك؟ ان رؤياه للاشياء مقلوبة لن تغير في وضعها شيئا. ابتسم بيدبا الفيلسوف ابتسامة العارف وهو يجيب: ان المشكلة يا مولاي ليست في الاشياء مقلوبة أو معدولة أو حتى مائلة بين هذا وذاك, وانما تبدأ المشكلة عندما يتعامل الواقف على رأسه مع الاشياء والظواهر والقضايا وفق رؤيته المقلوبة, ثم تزداد تفاقما وحدة عندما يطالب غيره من الواقفين على اقدامهم إلى التعامل معها على طريقته, من موقفه نفسه المقلوب. هز الملك رأسه بثقة وهو يؤكد. ابدا... لن يجد من يستجيب لدعوته, فالناس ــ كل الناس ــ يرون الاشياء كما هي, وليست مقلوبة. في هذه الحال سيدعو مستمعيه ـ أو قارئيه ــ إلى ان يفعلوا مثلما فعل, فينقلبوا على رؤوسهم حتى يروا الاشياء كما يراها. لا اظن احدا سيستمع اليه. سكت بيدبا لحظة, يتدبر ما بخاطره قبل ان يقول: في هذا العصر يا مولاي, كل شىء جائز وممكن الحدوث, فلا تعجب اذا شاهدت غدا في عرض الطريق موكب جنازة من بضعة افراد, يسيرون مقلوبين على ايديهم, ورؤوسهم الحليقة من الداخل والخارج تمسح التراب, خلف نعش كتبوا عليه (وداعا للعروبة) .

تعليقات

تعليقات