استراحة (البيان)، خرافة طريق الحرير - بقلم: محمد المر

سألني الباحث الشاب جمال خلفان بن حويرب المهيري قبل شهر عن (طريق الحرير) فأخبرته ان معلوماتي المتواضعة في هذا الموضوع تقول انه طريق بري ومعروف في وسط آسيا استخدم منذ اقدم العصور لنقل بضائع الصين وباقي بلدان الشرق الاقصى وخصوصا الحرير الى اوروبا وحمل ايضا تجارة اوروبا الى الشرق. وهذه المعلومة قرأناها وعرفناها في كتب ومقالات وافلام سينمائية وبرامج تلفزيونية شائعة قد ذاع خبرها بين الناس. ولكن يبدو ان البحث العلمي الدقيق والعميق مستمر في هدم ونقض اعتقاداتنا الشائعة في الكثير من القضايا التاريخية ومنها مسألة (طريق الحرير) التي تعرضت في العدد الاخير من مجلة الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية العريقة لهجوم كاسح من قبل الباحث (ويرويك بول) الذي ذكر في مقالته الطويلة ان قصة (طريق الحرير) ما هي إلا خرافة كاذبة لا يدعمها أي اساس تاريخي او دليل علمي. في البداية يذكر الباحث ان تعبير (طريق الحرير) هو تعبير جديد لم يكن معروفا في السابق وقد صكه الجغرافي الألماني (البارون فون ريشتوفن) في عام 1877 اي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وجاء بعده مجموعة من علماء الاركيولوجيا والآثار وشاركهم بعد ذلك العديد من الشعراء وعلى رأسهم يأتي الشاعران (فليكر) و(كولريدج) ثم اضيف اليهما الكثير من المؤرخين وكتاب الرحلات المعاصرين في الثلاثينات والخمسينات والستينات في القرن العشرين. وتثبت الحقائق التاريخية انه لا وجود لذلك الطريق فكل الكتاب الجغرافيين الكلاسيكيين امثال بطليموس وبليني وسترابو وغيرهم يشيرون الى بعض الطرق البرية بين الامبراطورية الرومانية وبعض الحضارات التي سادت في فارس وافغانستان في تلك القرون القديمة ولكن لم تصل تلك الطرق الى الصين اما التجارة البرية بين روما والصين فكانت شبه معدومة. ويفصّل الباحث في مسألة اهتمام الصين بحدودها الشمالية الغربية فيذكر ان ذلك الاهتمام كان منصبا على قضايا استراتيجية حربية وليس على قضايا قوافل تجارية فمن تلك المناطق هاجمت طيلة قرون عديدة قبائل (الهون) البربرية مراكز الحضارة الصينية واضطر اباطرة الصين الى بناء سد الصين العظيم لدرء خطرهم الماحق والمدمر. اما مسألة وجود آثار رومانية في وسط او في بعض مناطق الصين فيؤكد الباحث انها جاءت بطريق البحر اي عن طريق العرب والهند, والقرائن التاريخية تؤكد ان كل البضائع التي كانت ترد الى اوروبا في تلك العصور القديمة مثل الحرير واللآلىء والاخشاب الثمينة والعاج والاحجار الكريمة وبعض الحيوانات النادرة مثل النمور والفهود كانت تأتي من الهند. ويقول الباحث ان اهم البضائع المستوردة الى اوروبا من الشرق كانت التوابل وعلى رأسها الفلفل الذي كان يوزن بالذهب لارتفاع ثمنه. اما الحرير سواء جاء من الصين او من غيرها من بلدان الشرق فكان بضاعة غير مهمة ولم يكن مطلوبا بشكل كبير كما يتصور الكتاب المعاصرون. اذا كانت هذه هي الحقائق التاريخية, فكيف نشأت خرافة او اسطورة طريق الحرير؟! يعتقد المؤرخ الجغرافي (ويرويك بول) ان نشوء تلك الاسطورة او الخرافة راجع الى ولع الاوروبيين والانجليز في العصر الفيكتوري خلال القرن التاسع عشر بطرق التجارة المنظمة الحديثة واضيف الى ذلك ولع الانجليز والاوروبيين في تلك المرحلة بالتفكير الرومانسي حيث ابدع الشاعر فليكر في قصيدته عن (الطريق الذهبي الى سمرقند) لذلك فقد نسجوا قصصا خرافية عن ذهب (تمبكتو) وثراء الحبشة وغيرها. وانضم الى تلك القافلة من الرومانسيين خليط معاصر ممن يؤيد اسطورة (طريق الحرير) مثل السياسيين ورجال الاعمال الذين يرغبون في تقوية العلاقات الاقتصادية بين الاقتصاديات الاوروبية واقتصاديات الشرق الناهضة والاكاديميين الذين يرغبون في زيادة الدعم المادي للبحث في العلاقات الاقتصادية والحضارية القديمة بين الشرق والغرب, ورجال السياحة في مختلف الدول الآسيوية الذين يقدمون مدنهم للسائح الاوروبي على انها كانت مراكز مهمة في (طريق الحرير) التاريخي! ويؤكد الباحث في خلاصة بحثه ان التجارة بين الشرق والغرب كانت محدودة وان الطريق الاساسي لها كان عبر البحر ومن الهند وعن طريق التجار العرب. وأن معرفة الصين عن روما في تلك الازمان القديمة كانت قليلة وكذلك كانت معرفة روما عن الصين, ولم تهتم كلتا الحضارتين بمعرفة المزيد عن احداهما الاخرى فقد كانت كل منهما مشغولة بمجموعة كافية من المشاكل الداخلية والاعداء الخارجيين المباشرين بحيث يصرفها ذلك عن التفكير في الحضارات او الدول البعيدة. والتجارة الشرقية الاساسية التي اهتم بها الأوروبيون لم تكن تجارة الحرير بل كانت هي تجارة التوابل مثل القرفة والبلسم والهال والفلفل. وكل ذلك الحديث عن (طريق الحرير) من مدينة دمشق في الشام الى مدينة ليونغ في الصين والذي سارت فيه آلاف القوافل عبر القرون ومرت فيه على مدن عظيمة تختلط فيها الحضارات الشرقية والغربية هو حديث شعر وأدب وليس حديث بحث وعلم. والناس يحبون الاحاديث الرومانسية وينفرون من الحقائق الجافة, لذلك فمن الصعوبة ان يستطيع مقال هذا الباحث الجاد ان يجد قبولا جماهيرياً وستمر سنوات عدة قبل ان تتهدم خرافة (طريق الحرير) بشكل تام ونهائي.

تعليقات

تعليقات