الديمقراطية...وشقاوة العيال: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

من حق الديمقراطيين ـ سواء كانوا صادقين, او مدعين ـ ان يغضبوا لهذا الجمع التعسفي في عنوان واحد بين الديمقراطية وشقاوة العيال. فالديمقراطية ـ كما هو مفروض ـ مسألة جادة جدا, لا ينبغي لاحد ان يتناولها الا في معرض الجد. بينما شقاوة العيال ضرب من العبث الطفولي الذي يتباعد ما بينه وبين الكبار كلما طعن هؤلاء في السن واوغل شعرهم في البياض, وخمدت في قلوبهم وعقولهم جذوة الصبا والشباب.. ولكي تكون ديمقراطيا, يجب اولا ان تكون حكيما.. هكذا علمنا فلاسفتنا, او بمعنى اصح هكذا يعلمنا التاريخ.. فعندما تضيع الحكمة يستوي في الأمر ان تكون ديمقراطيا مثل كلينتون, او ديكتاتوريا مثل صدام.. او بين بين مثل معظم حكام هذا الزمان.. الذين تتدفق شعارات الديمقراطية على السنتهم ومن ابواق اجهزة اعلامهم كما يتدفق نهر النيل من اعالي الهضبة الوسطى وبحيرة فكتوريا حتى يصب في المياه المالحة للبحر الابيض المتوسط, ولكن فقط على سبيل البلاغة والبيان.. ودون ان يكون لهم في جوهرها نصيب كبير او صغير. ولكن ما علاقة كل هذا بشقاوة العيال؟ زعموا ـ والزاعم هنا وكالات الانباء العالمية ـ ان الرئيس كلينتون, في غمرة سعيه لالهاء مواطنيه عن حكاية مونيكا جيت ذهب الى جامعة اوهايو ليلتقي مع طلبتها, ومعه موكب حافل ضم السيدة الحيزبون وزيرة خارجيته مادلين اولبرايت, ووزير دفاعه كوهين, وثالث لا اذكر اسمه, في محاولة من الرئيس ـ المزنوق ـ لشرح سياسته ازاء العراق, وكيف انه نصب نفسه مدافعا عن الشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة, فاذا به يفاجأ بالطلاب الصغار ينهالون عليه بالاسئلة.. لماذا لا يدافع عن قرارات الامم المتحدة عندما تتحداها اسرائيل.. ولماذا يكون الوصف الحقيقي لسياسته انها ذات وجهين.. وتكيل بمكيالين؟ وصرخ احدهم بصوت علا فوق الاخرين.. كيف يظنهم سذجا الى هذا الحد؟.. ومع ان كلينتون حاول ان يحتوي الموقف فقال متظاهرا بالابتسام, انهم يذكرونه بايام صباه, عندما كان معارضا لحرب فيتنام, الا ان ابتسامته تلاشت عندما هتف في وجهه فتى صغير: انه من المؤكد انه كان ايامها اكثر صدقا مما هو الان.. وانفض اللقاء على غير ما يهوى.. وكان تعليق السيدة اولبرايت عندما سألها مندوبو الصحف عن رأيها فيما حدث: انها مجرد شقاوة عيال. طبعا, طلبة جامعة اوهايو لا يوافقون الوزيرة الحيزبون على وصفها لهم بأنهم عيال.. وانما هم ـ كما يرون انفسهم ـ شباب يمارس حقه الديمقراطي.. ولكن هذه الممارسة في رأي الرئيس كلينتون وبطانته ليست اكثر من شقاوة عيال.. فهم في النهاية ليسوا اعضاء في الكونجرس يمكن ان يعطلوا الميزانية ويسقطوا حكومته بل ويرغموه على الاستقالة مثلما فعل اسلافهم مع نيكسون.. وليسوا من قادة اللوبي الصهيوني الذي يملك في امريكا القرار الاخير, والذي يعتبر ساكن البيت الابيض مجرد موظف يعمل في خدمتهم باجر معلوم.. وليس من بينهم احد يمكن ان يهدده بقنبلة نووية. واذا كان بعضهم يمكن ان يتحولوا الى ارهابيين.. ينسفون المركز التجاري في نيويورك او مجمع المخابرات في اوكلاهوما, فانه وزوجته وابنته وكلبهم وقطهم سوكس.. كلهم في مأمن تحت الحراسة الالكترونية حتى اخر يوم في رئاسته ـ او حياته.. اذن.. فالامر كما قالت اولبرايت, مجرد شقاوة عيال.. *** والشيء بالشيء يذكر.. انا شخصيا مارست هذا الضرب من شقاوة العيال منذ زمن بعيد, قبل ان اصبح حكيما عندما كنت في عمر طلبة اوهايو.. كان ذلك قبل ثورة 23 يوليو بعدة سنوات. والحرب العالمية الثانية ما زالت في ذروتها. ومع الملك, والسفير البريطاني كان يحكم مصر حكومة وفدية يرأسها مصطفى النحاس.. ومع ان الوفد كان يتمتع بأغلبية ساحقة بغير حدود منذ تشكيله في سنة 1919 حتى حل الاحزاب بعد قيام الثورة الا انه لم يتول الحكم الا لمدة ست سنوات وبضعة اشهر على خمس فترات متباعدة.. وكانت تلك هي الحكومة الوفدية برئاسة مصطفى النحاس.. الذي دعاه الملك لتشكيل الوزارة اثر تلقيه انذارا من السفير البريطاني. بانه (ما لم يعلم قبل السادسة مساء ان جلالته قد كلف مصطفى النحاس باشا بتشكيل الوزارة, فانه ـ اي الملك ـ يتحمل تبعة ما يحدث بعد ذلك) .. وعندها, دعا الملك فاروق رؤساء الاحزاب جميعا ـ بما فيهم النحاس ـ ليعرض عليهم الانذار البريطاني فرفضوه جميعا باعتباره عدوانا سافرا على السيادة الوطنية.. ولكن الوضع تغير عندما عاد السفير البريطاني بعد السادسة مساء مصحوبا بكتيبة دبابات ليحاصر مقر الملك, ومعه مسودة تنازل عن العرش ليوقعها الملك..فطلب هذا منه مهلة لبضع دقائق, استطاع خلالها اقناع النحاس بالهاتف كي يقبل تشكيل الوزارة, من اجل ان ينقذ العرش! وهكذا كان ظاهر الامر لدينا يقول ان النحاس ـ زعيم الامة, ورئيس الوفد قد جاء الى الحكم على اسنة رماح الانجليز ـ او على حد قول زعماء المعارضة في ذلك الحين (على جنازير الدبابات البريطانية) . ولم نكن ـ طلاب تلك الايام ـ قد بلغنا بعد من النضج ما يكفي لكي ندرك ما في هذا القول من نفاق ـ فصدقنا ما قاله زعماء المعارضة, ولم نناقش معهم ابدا انهم لم يهاجموا اذعان النحاس للانذار البريطاني الا بعد ان رفض هذا اشراكهم معه في الوزارة التي يريد الانجليز ان تكون تحت رئاسته.. وهكذا عندما جاء اليوم الموعود كانت نفوس عدد كبير من الطلاب وخاصة في المدارس الثانوية معبأة عن اخرها ضد مصطفى النحاس ـ رغم اغلبيته الكاسحة لدى الناخبين ويعتبرونه عميلا للانجليز والا فلماذا يأتون به الى الحكم رغم انف الملك؟.. وكان هناك اكثر من تنظيم سري يغذي هذه الفكرة المشوشة لدى التلاميذ.. ولهذه التنظيمات نفوذ قوي في عدد غير قليل من مدارس وسط العاصمة وضواحيها.. وفي تلك الايام.. كانت الدعوة لاقامة الجامعة العربية قد بدأت تأخذ مشاورات بين رؤساء الحكومات.. وفي اطار تلك المشاورات اعلن ان رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح آت للالتقاء مع نظيره المصري مصطفى النحاس.. وكان المفروض ان يجرى للرئيس اللبناني استقبال شعبي حافل على طول الطريق من المطار الى سراي عابدين, حيث سيصحبه رئيس الوزراء فور وصوله للالتقاء مع جلالة الملك. وبالفعل, اخذت السيارة المكشوفة التي تحمل رئيسي الوزراء المصري واللبناني تشق طريقها بصعوبة كبيرة وسط الحشود الشعبية على الرصيفين وفي نهر الطريق والكل يهتفون بحياة الصلح مع النحاس.. حتى اذا ما وصلت الى ميدان الاوبرا.. قبل قصر الملك بقليل, اذا بالميدان كله يهتف في نفس واحد.. يسقط عميل الانجليز.. يسقط رجل 4 فبراير!! كان هؤلاء بضعة الاف من تلاميذ المدارس الثانوية الذين عبأتهم التنظيمات الطلابية السرية.. واندفع الاولاد الاشقياء الى السيارة المكشوفة التي تحمل الزعيمين في غمرة الارتباك الذي اصاب رجال الامن.. وتعلق احدهم بباب السيارة بيد واصابع الاخرى تهتز في وجه الزعيم.. يسقط عميل الانجليز.. وبينما الضيف اللبناني من هول ما يرى ويسمع, وايدي الحراس تحاول انزال التلميذ الهائج وانتزاعه بعيدا عن السيارة, كان النحاس يصرخ وهو في قمة الغضب. ـ يا ولد عيب يا ولد.. حاسب ياولد.. تتعور يا ولد يا قليل الادب!!! وبعدها اسرع سائق السيارة, وشدت يد الولد بعيدا.. *** يقول اللواء الغزالي, مدير الامن في مذكراته عن تلك الواقعة. (بمجرد عودة النحاس باشا من لقائه مع جلالة الملك برفقة دولة رئيس الوزراء اللبناني استدعاني فورا.. وكان لا يزال في قمة استيائه وبعد ان وبخني بما فيه الكفاية لتقصيري في تأمين ميدان الاوبرا سألني: ـ ماذا فعلت مع العيال دول؟ ـ قبضنا على زعمائهم.. 15 تلميذا.. منهم ثلاثة في الجامعة والباقي تلاميذ في ثانوي.. سكت الزعيم لحظة.. ووجهه محتقن من شدة الغضب, ثم قال كأنما ينفجر.. ـ اريد منك ان تؤدب هؤلاء العيال.. أدبهم بشدة.. احبسهم 24 ساعة!! سامع؟ ايوه.. 24 ساعة. *** الا, رحم الله مصطفى النحاس.. كان يتصور في تلك اللحظة انه يعتدى عدوانا لا يغتفر على الديمقراطية.

تعليقات

تعليقات