استراحة البيان:(مثافر) زاده الخيال- يكتبها اليوم: محمد الخولي

قال الكاتب مخاطبا الممثلة التي اجادت الاداء: كنت غائعة يا آثاغ. وردت عليه الفنانة الشاطرة تبادله المجاملة شاطغ يا أستاذ. الدوغ كان مكتوبا بشكل هايل يااستاذ, فأما الكاتب فهو المبدع اسامة انور عكاشة, واما الممثلة فهي آثار الحكيم, ولان الاستاذ عكاشة الثغ في نطق الراء فقد كان يقصد بالطبع ان الفنانة (اثار) الحكيم كانت رائعة في تمثيلية زيزينيا, ولان الفنانة كانت تؤدي دور سيدة ارستقراطية فقد اثر المخرج, أو المؤلف, أن يجعلوها تنطق الراء بلثغة الغين حرصا على الدقة وامعانا في الدلال, وما كان منها إلا ان بادلت مجاملة المؤلف بالثناء على (الدوغ) , تقصد الدور الذي كتبه لها في زيزينيا التي استمتع بها المشاهدون في امة العرب طيلة رمضان, رغم انها كانت حلقة من (ملحمة الطرابيش) التي ظلت تتطاير على جنبات الشاشة الصغيرة في كل مساء. واللثغة (باللام المضمومة) هي في الاصل تحويل الراء إلى غين عند نطقها وهو اقصى المراد, كما لا يخفى على سيادتك, عند الذين يتعلمون الفرنسية ويحاولون النطق بها, ومن الناس من يتصورها عيبا في نطق العربية, ومنهم من يتصورها امرا طريفا يزيد النطق حلاوة ويضفي على الحروف شخصية متميزة, وعلى مدى عشرات السنين ظل مستمعو اذاعة القاهرة يتابعون صوت الاذاعية القديمة آمال فهمي وهي تحاور ــ بالادق (تحاوغ) ضيوفها في برنامج (على الناصية) وسط حديث يجمع بين الذكاء واللباقة واللماحية, ويقال ان هذه اللثغة في نطق آمال فهمي هي التي حرمتها من قراءة نشرات الاخبار ولكن المستمعين كسبوا صوتا ذكيا ومثقفا يجعل الحوار... الكلام مع الناس, مجرد متعة خفيفة الدم وبهجة في حد ذاتها. وفي القاموس ان اللثغة (ولا تنسى حكاية اللام المضمومة اياها) تتعدى من حكاية الراء والغين لتشمل ايضا احلال الثاء محل السين, أو كما غنى محمد عبدالوهاب في احدى روائعه وكان بدوره الثغ السين: (مثافر زادة الخيال) ومسافر زاده الخيال, وهو مطلع (النهر الخالد) من شعر محمود حسن اسماعيل, ومن عجب ان مقلدي عبدالوهاب وهم كثر كانوا لا يتورعون عن نطق السين ثاء امعانا في التقليد ومحاولة في الصعود إلى مراقي الاستاذ و... هيهات. ثم اقرأ في تاريخ الثقافة العربية كيف كان المفكر المعتزلي الكبير واصل بين عطاء الثغ الراء, وكم كان ثراء محصوله اللغوي, على ما يروي الجاحظ في (البيان والتبيين) عندما كان عمنا واصل يعمد في حديثه اليومي إلى الابتعاد عن اي كلمة فيها حرف الراء المشاكس فلم يسمع عنه تلاميذه يوما ان نطق لفظا راء فيه, ولهذا لم يكن يقول ان الدقيق أو الطحين من البر (بضم الباء) بل كان يعمد إلى استخدام لفظة قمح أو حنطة, والقمح, كما يقول الجاحظ, لغة شامية والحنطة لغة كوفية ثم تعال إلى زعماء عصرنا ولوازمهم اللغوية التي ذاعت شهرتها بين الناس. وعلى عكس الحكيم واصل بن عطاء, كان ذلك المكتشف القديم المجهول لأسرار اهرامات الجيزة وقد حكى عنه الشريف أبوصقر الادريسي الذي عاش في أوائل القرن الثالث عشر في كتابه بعنوان (انوار علوي الاجرام في الكشف عن اسرار الاهرام) وقد حقق الكتاب المستشرق الالماني أولريش ونوه به الاديب جمال الغيطاني. ان المكتشف المجهول اصطنع فتحة في الهرم الاكبر وظل يمعن في النزول, بجسارته وفضوله, ثم لم يعرف عنه ماذا فعل وماذا وجد, اللهم الا عبارة وجدها القوم بعد مئات السنين منقوشة على الجدار الداخلي للهرم تقول بالعربية فيما يشبه الالغاز: وَرَدَ وَرْدُ, وَرَدَّ وقد فسرها الادريسي في كتابه المذكور على انها لا طلاسم ولا يحزنون بل هي رسالة من رجل يدعى السيد (ورد) أو المواطن (ورد) غاص في قاع الهرم, ربما كان عالما بما فيه أو كان لصا يطمع في كنوز فرعون المهم انه ترك عبارته الثلاثية هذه وكلها تنويعات على حرف الراء اياه وتقول: ورد بمعنى جاء محسوبكم ورد (اسم الزبون) وردّ بمعنى انه عاد ادراجه من حيث أتى و... الله أعلم. حكمة الله ان كان الزعيم سعد زغلول, بجلالة قدره ينطق القاف مخففة إلى حيث تقارب الكاف, ولهذا كانت خطبه الوطنية العصماء تبدأ بعبارات من قبيل (بني كومي) . يقصد طبعا بني قومه من ابناء وادي النيل, ولأمر ما كان الزعيم عبدالناصر مغرما بحرف الباء يلحقه في افعال المضارع أو المستقبل بمناسبة وبغير مناسبة, حيث يقول في خطبه الجماهيرية مثلا: واذا حاول الاستعمار ان يهددنا, بنقول له اننا بندافع عن امتنا, وبندعو إلى مؤتمر قمة عربي, وبنشوف افضل السبل إلى الرد على مؤامرات الاستعمار... الخ كانت الباء.. لازمة ناصرية عاشت مع الزعيم الكبير ربما منذ مراحل التكوين والطلب الاولى, والمشكلة ان كان العاملون في رئاسة الجمهورية, والمتسلقون على اكتاف التنظيم السياسي في ذلك الزمان يضعون في جيوبهم الف باء وباء يرصعون بها ما ينطقونه من افعال الماضي والمضارع والمستقبل على السواء. وبمناسبة الماضي البعيد, حكوا عن ديموستين اشهر خطباء الاغريق, وكيف كان الثغ في الراء وربما في السين, أو في غيرهما, ومن الطبيعي ان كانت هذه اللثغة كفيلة بقطع عيش الرجل والاجهاز على مستقبل باهر كان ينتظره كخطيب موهوب (كان يعيش في عصر الاسكندر الاكبر ومن قبله ابيه فيليب المقدوني) يومها, لم يكذب الفتى ديموستين خبرا, بل عمد إلى بحر الادرياتيك يقف امام امواجه بالساعات, يخطب مثل مجنون وقد وضع تحت لسانه حصاة لا بأس بحجمها رأى انها تعينه على التخلص من اللثغة في نطق الحروف العصية على اللسان البليغ, وكم كان الاغريق يحمدون اربابهم اذ لم يشتعل حماس الخطبة في اهاب صاحبنا فينسى نفسه وتجد الحصاة اللعينة طريقها إلى البلعوم فاذا باليونان القديمة تفقد خطيبها الواعد في ميعة الصبا وشرخ الشباب. وربما كان من اكمل مواهب نطق الحروف العربية تلك التي كانت تتمتع بها ام كلثوم, كيف لا, وقد اتيح لفتاة السنبلاوين الريفية ام كلثوم ابراهيم ان تقرأ كتاب الله الكريم وتجيد مهارات المد والغنّة والافصاح والاضغام على يد مشايخها الاولين حتى جاءت القصائد التي شدت بها من بعد مبرأة من عيوب النطق أو اضطراب الحروف, لا عجب اذن ان يقف الملحن الكبير رياض السنباطي مشدوها امام واحد من اعماله الموسيقية الشامخة بوصفه تحديا صعب المراس امام اداء ام كلثوم وهو بالتحديد قصيدة امير الشعراء شوقي بعنوان (النيل) ذات القافية البالغة الصعوبة بمطلعها المعروف: من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في الممالك تغدق ومن السماء نزلت ام نزلت من عليا الجبال جداولا تترقرق؟ نسينا ان نقول لك ان حكاية المدح المتبادل بين الكاتب عكاشة والفنانة اثار الحكيم نشرتها مؤخرا جريدة اسبوعية بالغة الشقاوة تصدر في القاهرة اسمها (الدستوغ) نقصد (الدستور) بطبيعة الحال.

تعليقات

تعليقات