لنظرته الموضوعية نحو البشر وعاطفته الجياشة: اليابان تعشق شكسبير مطالعة ومسرحا وتجارة - البيان

لنظرته الموضوعية نحو البشر وعاطفته الجياشة: اليابان تعشق شكسبير مطالعة ومسرحا وتجارة

الممثل ليوناردو ديكابريو ودمى ديزني والرسوم الكاريكاتورية هي من المواضيع الدارجة في مجلة (برتوس) اليابانية المخصصة للشباب الذين يتبعون الموضة . الا ان التوجه الجديد في احد الاعداد الاخيرة للمجلة سبب دهشة عند الكثيرين من الناس فصورة الغلاف كانت لوليام شكسبير. اما في الداخل, فقد افردت المجلة صفحاتها الاربعين لعددها الخاص بشكسبير, للعب ديكابريو دور روميو وميكي ماوس ديزني في هاملت ونسخة كرتونية لمسرحية (كما تحب) . ومهما كان وجه الغرابة في ذلك, فان ظهور شكسبير في مجلة برتوس لم يكن سوى مظهر جديد لانبهار اليابان منذ اكثر من قرن بالروائي والشاعر وهو انبهار يفوق ويدهش حتى انبهار البريطانيين به. وحتى في اليابان, البلد المشهور بحب مواطنيه الكبير للمطالعة والاشعار, كانت بداية الاقبال على شكسبير مفاجئة ايضا. الانتاج الشكسبيري الاول في اليابان, في العام ,1885 كان من نتاج الفضول التاريخي: لقد كان اقتباسا لمسرح الكابولي الياباني التقليدي من رواية يابانية قام به شخص يدعى تشالرز لامب لمسرحية (تاجر البندقية) واليوم يوجد في اليابان من الانتاج الشكسبيري اكثر مما هو موجود في اي بلد اخر غير ناطق باللغة الانجليزية. والحقيقة ان فرقة الشركة الشكسبيرية الملكية البريطانية تقوم برحلات منظمة الى اليابان لتقديم المسرحيات كما ان الفرق المحلية تملأ المسارح بتقديمات راديكالية لمسرحيات شكسبير. يقول كونيو أوي, استاذ اللغة الانجليزية في جامعة واسيدا المحترمة ان (اليابان تعشق اسماء الماركات) , وشكسبير له قيمة اسمية لايملكها مثلا جوته. المكتبات في المدن اليابانية تقدم للقارىء الخيار بين نسختين او ثلاثا لترجمات اعمال شكسبير الكاملة اضافة الى كتب الجيب العديدة. وتقول ميكو هيراتي الموظفة في مكتبة كينوكونيا في طوكيو, ان مسرحية (هاملت) هي على الدوام اكثر الكتب مبيعا, ولكن هذه السنة مسرحية (روميو وجولييت) هي الدارجة بين الشباب بسبب الفيلم الذي مثل فيه ديكابريو. وقد بلغت شعبية شكسبير مبلغا في اليابان حتى ان حديقة تم افتتاحها قرب طوكيو هذه السنة لتكريمه. وبوسع عشاق الشاعر ان يتجولوا في طرق نموذج لقرية ستراتفورد ـ ابون ــ افون التي عاش فيها, بما في ذلك نموذج لمنزل شكسبير في القرية. وعلى شاشة التلفزيون يستغل بعض التجار ايضا اسم شكسبير للترويج لبضاعتهم, ففي اعلان حديث هناك مشهد الشرفة في مسرحية (روميو وجولييت) وعندما تستغيث جولييت بروميو, لا يرد عليها بجمل من اشعاره, بل يستعمل الهاتف الخلوي للرد عليها. وطبعا هناك مسرحيات شكسبيرية تقدم باسلوب الكابوكي الياباني. ويستعد احد مسارح طوكيو لتقديم مسرحية (هاملت) بطريقة الكابوكي, حيث يصل فيه التردد الذي اشتهر به امير الدانمارك الى ذرى جديدة, فبطل المسرحية يواجه مهمة مزج دوري هاملت واوفيليا في نفسه اي ان يلعب الدورين معا. ويقول مازوكو ماتسوكا, وهو من مترجمي اعمال شكسبير ان شعبية شكسبير في اليابان لاتزال تحيره, وقد يكون السبب ان شكسبير له نظرة موضوعية للكائنات البشرية وله جانب عاطفي يستهوي اليابانيين. وثمة منشأ آخر للصرعة الشكسبيرية في اليابان, وهي الثورة الشكسبيرية التي حدثت هنا قبل 20 سنة, وغيرت طريقة نظر جمهور المسرح الى مسرحياته وحولته الى ثائر في نظرة عنصر الشباب الياباني. ففي العام 1975 قام عدد من الممثلين الهواة وطلاب مدارس المسرح وبعض الممثلين المحترفين المستائين من التقديمات الشكسبيرية الثقيلة المتثاقلة في مسارح النخبة اليابانية بتأسيس مسرح شكسبير في طوكيو لكي يقلبوا هذا الوضع رأسا على عقب. ويقول مؤسس المسرح نوريو ديجوتشي: حتى اواخر الستينات كانت كل المسرحيات المقدمة من الانتاج الكبير في المسارح القديمة, حيث كان الممثلون يرتدون الالبسة الاليزابيتية والشعر المستعار الاشقر, بل حتى انهم كانوا يستعملون الانوف المزيفة, وبدلا من تقديم شكسبير, كان الامر مجرد محاولة لتقليد الغرب. وحانت الفرصة للفرقة الجديدة عندما طلب منها احد المسارح تقديم كل مسرحيات شكسبير السبع والثلاثين بمعدل مسرحية واحدة كل شهر. وقد ادى الممثلون ادوارهم بقمصان الــ (تي شيرت) والسراويل الممزقة وكانوا يدخنون على الخشبة ويخلقون الممالك المهزوزة على كرسيين وقبل كل شيء فان تمثيلهم المحموم هذا اعطى جمهور المسرح من الشباب شعورا ان شكسبير يحاول ان يقول لهم شيئا في مسرحياته. هذا الماراثون الشكسبيري الذي دام ثلاث سنوات لا يزال قصته من مستوى الاساطير لدى جمهور المسرح الياباني, وقد نفض الغبار عن الربيرتوار الشكسبيري ممهدا الطريق للعديد من التقديمات التي تشاهد اليوم في اليابان. والواقع ان اليابان لم تتردد حتى من البداية لملاءمة المسرحيات مع تاريخها ومع اشكالها التقليدية من الفن المسرحي. ففي مرحلة عصرنة المايجي في القرن التاسع عشر, روج المثقفون لشكسبير كرديف انجلترا لاكبر المسرحيين اليابانيين تشيكاماتسو مونزايمون. وقد كان ذلك طريقة ذكية للتسويق اعطت شكسبير مكانة مرموقة عند اليابان, وعملت اقتباسات مسرح الكابوكي ايضا عنها لترسيخ مكانة شكسبير في وقت مبكر. ويقول مانسوكو: ويقول لقد تم تحويل شكسبير الى ابن بلد لجعله مألوفا اكثر عند اليابانيين. هذه الايام لا يقتبسون شكسبير لمسرح الكابوكي فقط بل لاشكال مسرحية اقل شهرة في الخارج مثل مسرح (نوه) الباطني ومسرح بونراكو, اي مسرح العرائس الياباني. ويذكر في هذا السياق ان فيلمي اسطورة السينما اليابانية اكيرا كوروساوا (ران) و(عرش الدماء) عن اليابان في العهد الاقطاعي مستوحيان من مسرحيتي (الملك لير) و (ماكبيث) لشكسبير. ـ خدمة أ.ب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات