استراحة البيان: احمد سالم.. وهذا الماضي المجهول: محفوظ عبدالرحمن - البيان

استراحة البيان: احمد سالم.. وهذا الماضي المجهول: محفوظ عبدالرحمن

كنا في الاسكندرية في سبتمبر الماضي وفي جلسة جمعت بين محمود عبدالعزيز ويحيى العلمي وبيني قال محمود انه يتمنى ان يمثل شخصية تاريخية, ولكن ليت يكون لها سمات غير البطولة التقليدية. واتفقنا على ان نقوم بهذا العمل ثلاثتنا . وانهينا الجلسة على اننا سنقوم بدراسة الشخصيات التاريخية, لنختار منها, ولم يعرف الصديقان انني كنت قد اخترت فعلا الشخصية التي اريد اقتراحها, ولكنني تكتمت الامر عنهما حتى أقلب الامر قبل أن أعلنه. وبينما كان محمود عبدالعزيز يعاني الام مرض مرهق قلت له: ما رأيك في أحمد سالم؟ وأحمد سالم شخصية مدهشة, فهو خريج كمبريدج في اوائل الثلاثينات وعاد من انجلترا الى مصر في طائرة خاصة قادها لأول مرة بدون توقف, وكان يملك مطارا خاصا في محافظة الشرقية (وكانت لا تزال مديرية) وكان اول مذيع يقول (هنا القاهرة) عند انشاء الاذاعة في عام ,1934 وكان اول مدير لاستديو مصر الذي أنشأه طلعت حرب. وايضا كان ممثلا ومخرجا. ولقد مات في صدر شبابه. وقال لي محمود عبدالعزيز بدهشة: أقلت لك انا هذا؟! ولم أفهم ما قال الا بعد ان أكد انه معجب جدا بالشخصية, وانه يتمنى ان يمثلها منذ وقت طويل. وانه تصور انه قال لي ذلك, قبل ان اقترح هذا الاسم. ولأن الموضوعات التاريخية تأخذ وقتا طويلا في الاعداد, فلقد بدأت تجميع المعلومات عن الرجل, ولكن كانت هناك نقطة بداية لا أدري كيف اصل اليها. ولهذه النقطة فقد ارى من الضروري ان اشير لها. ففي عام 1956 قام العدوان الثلاثي (البريطاني ــ الفرنسي ــ الاسرائيلي) على مصر. وكنت آنئذ طالبا وهزني الحماس مثل غيري. وذهبت لالتحق بالحرس الوطني, لكنني لم أرض عن دوره, فلقد تصورت انني لابد ان أحمل السلاح وأحارب. ومع مجموعة بعضها من الاصدقاء او المعارف سافرنا متجهين الى منطقة القناة. لكنهم اوقفونا في قرية في محافظة الشرقية اسمها (طويحر) . وفي هذه القرية الصغيرة تجمع عدد كبير من الراغبين في القتال. ودربونا على القتال فعلا, وبعضنا شارك في أعمال فدائية. وهناك قابلت نانا احمد سالم ابنة الفنان الكبير لاول مرة, كانت سيدة جميلة (طبعا بحكم الوراثة) وكانت شخصية عملية عذبة. ورغم ان حديثي هنا اساسا هو عن احمد سالم. الا انني أرى انه لا يضر أن اؤكد انه كانت هناك مجموعة من الذين عرفوا بعد ذلك, منهم الكاتب الاردني غالب هلسا, الذي عاش سنوات طويلة في مصر, ثم طرد مع مبادرة السلام مع اسرائيل, فطاف بعض البلاد ثم استقر في سوريا, ومات فيها منذ سنوات قليلة. ومنهم الدكتور محمد عمارة الذي انقلب من اقصى اليسار الى اقصى اليمين, وبعد ان كان ماركسيا متحمساً يحمل الان سيفه لمهاجمة العلمانية. واحمد الجندي ابن عوض الجندي, الرجل الثاني في الحكومة التي اقامتها زفتى عند استقلالها في عام 1919 ولقد قابلته بعد احداث 1956 بسنوات طويلة مخرجا في التلفزيون ثم مع بداية السبعينات هجر الاخراج الذي درسه في انجلترا وتفرغ لزراعة الموز, ولم اره منذ ذلك الحين, ولم يره احد من الذين اعرفهم. ولا اريد ان أحصر من كانوا هناك, فأقع في خطأ حدث منذ وقت قريب عندما قامت دعوة للاحتفال بتجربة (طويحر) ولم يدع لها الا اثنين او ثلاثة ممن شاركوا فيها, اما تجاهلا أو جهلا. وحتى أعود الى هذا الحصر الدقيق ذات يوم, اذكر انه كان من بين الموجودين في هذا المعسكر من الشخصيات المعروفة: مصطفى الحسيني, الكاتب السياسي, وفاروق عبدالقادر الناقد المسرحي ولقد اصيب بطلقات في يده مازالت اثارها حتى الان, وعبدالملك خليل عمدة الدارسين الصحفيين في موسكو والدكتور لطفي فطيم استاذ علم النفس, الذي توفي منذ سنوات قليلة. وكانت هناك ايضا نانا احمد سالم, التي أريد ان احدثكم عنها, كان علي ان اتصل بها وان اقابلها لاعرف منها معلومات عن ابيها. ولم تكن محاولة مضمونة بالنسبة لي, فعندما كتبت عن استقلال زفتى 1919 وكان ذلك في عام 1967 كنت حريصا على مقابلة محمد يوسف الجندي ابن يوسف الجندي بطل هذه التجربة الفريدة, وكان محمد آنئذ محبوسا في قضية سياسية. ويوم الافراج عنه بالضبط كنت عنده في البيت بلا دعوة. ومن الطبيعي ان الرجل كان اول ما فعله هو الدخول الى الحمام. وانتظرته حتى يخرج. وقلت له انني كنت في انتظار الافراج عنه على احر من الجمر وانني اريد معلومات عن مشاركة ابيه في اقامة حكومة زفتى. وقال لي محمد يوسف الجندي ببراءة: في الحقيقة انا لا أعرف شيئا عن هذه الفترة. وأرجوك اذا عرفت شيئا أخبرني!! وفي عدة مرات كنت اسأل الموسيقي الممثل عبدالعظيم عبدالحق عن معلومات عن احد اخويه عبدالحميد او عبدالمجيد وكانا سياسيين بارزين ووزيرين لمرات. فكان يقول انه لا يعرف عنهما الا انهما كانا اخويه. واعترف انني شككت في مرات انهم اخوة لقدر ما كان يجهله صديقي الراحل عبدالعظيم عنهما. ولكن كل هذه الهواجس لم تجعلني اكف عن التفكير في كيفية الاتصال بنانا احمد سالم الابنة الوحيدة لأحمد سالم. في البداية فكرت في ان اعلن في احدى الصحف عن رغبتي في ان تتصل بي. وفي مثل هذه الحالات لا بد ان انشر رقم هاتفي. هو أمر مستحيل. فبدون نشر هذا الرقم تدق التليفونات في بيتنا ليل نهار. وأنا لا أريد ان ازيد الطين بله. وبدأت اسأل في القاهرة ذات الخمسة عشر مليون مواطن عن سيدة لا أعرف ماذا تعمل ولا أين تسكن ولا من هم أصدقاؤها. ولم أكن اعرف ما كان من الممكن ان يزيد الموقف صعوبة, وهو انها عملت في الامم المتحدة اربعة عشر عاما لم تعشها في مصر. وذات يوم جاءني تليفون يقول صاحبه: ـ أنا منير المغربي هل تتذكرني؟ قلت بحماس شديد: ـ طبعا! وأنا عكس كل البشر أتمتع بذاكرة تحتفظ بالاسماء والمعلومات, وتنسى الوجوه! ولم يخطر على بالي في البداية انه يريد لقائي بنانا سالم وانهما تحدثا, وقررا الاتصال بي, فكانا في ذلك أسرع من محاولتي الاتصال بها. ولم أكن اعرف حتى انه يعرفها. واتفقنا على موعد للقائها. وان الموعد في الشارع. ولم اكن قد رأيت منير المغربي منذ ثلاثين عاما. وكما ذكرت انا لا اتذكر الوجوه. وقلت لنفسي على اي حال كان منير اكثر الذين عرفتهم نحولا. وكان يلفت النظر بذلك. ولكن كثيرا منا زاد وزنهم مع السن. قلت لنفسي لقد زدت خلال هذه الفترة عشرين كيلوجراما اعطه مثلها. وتوقفت سيارة ونزل منها شخص ليس بالاوصاف التي حددتها, فلقد زاد اكثر مما توقعت. ورأيت نانا سالم. وأثارني شجن الزمن الغريب, الذي يصنع اقاصيصه الممتعة, وينسجها ببراعة مذهلة. ولكن بعد ان كانت الفتاة الجميلة صارت الجدة التي تحتضن احفادا ما زالوا يرثون وسامة احمد سالم. وفي كل ورثة الشخصيات الشهيرة ــ وقد قابلت الكثير منهم ــ لم يكن اكثر مرونة من نانا سالم. كنت اعتقد انها لا يمكن ان تتحدث عن علاقات احمد سالم الذي كان دون جوان عصره, والذي كان منافس الملك فاروق في اكثر من قصة عاطفية. ولكن نانا حدثتني عن علاقات ابيها, كما يتحدث مؤرخ محايد في موضوع ليس هو طرفا فيه. حدثتني عن حقائق زواج وعلاقة ابيها من اسمهان وتحية كاريوكا وامينة البارودي, حفيدة الشاعر محمود سامي البارودي والممثلة كاميليا. كانت ساعات رائعة ونحن نسمع ابنة فنان فذ تحكي عن ابيها, فتتحول السطور التي قرأناها الى حياة نراها لاول مرة. وخرجنا ـ منير المغربي وانا ـ محملين بمشاعر كثيرة. وقال لي: ـ اتعرف انني اليوم اخرج الى التقاعد! وانفجرت في ضحك طويل. ولا بد انه تعجب وبالطبع لم يعرف السبب. وكان السبب بسيطا هو انني قرأت في احدى المجلات القديمة ان احمد سالم اشترى سيارة جديدة عندما تفتح بابها يضيىء نورها! وكان هذا في الثلاثينات قمة التكنولوجيا. تغير الزمن وتقدمت التكنولوجيا. وما زلنا كما كنا! كلمة اخيرة: (الماضي المجهول) هو اشهر أفلام احمد سالم!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات