استراحة البيان: غريب في أهله: يكتبهااليوم- سعيد حمدان

ابن جاري توفي في حادث سير, الواجب ان اعزيه, لكنني اشعر بحرج فأنا لا اعرف اسم الابن المتوفى! أكثر من هذا انني لا اعرف عدد ابناء جاري ولا اعرف حتى ملامح وجوههم. انها مشكلة اشعر بحجمها في مثل هذه الحالة. صادف ايضا ان شاهدت باليوم ذاته زوج بنت عمتي في المكتبة ومعه اطفاله , وشعرت بذات الحرج انني لا اعرف اناديه بأبي من؟ اجهل اسم كبير ابنائه ولا اعرف كم عنده من اولاد وبنات. صديق والدي شاهدته في سوق الخضار, اعرفه جيدا ولكنني اجهل الآن اسمه. ابناء الفريج الذين سلمت عليهم بعد صلاة الجمعة, كأنني اراهم لاول مرة, اجهل اسماءهم وملامحهم تبدو غريبة عليّ. غريبة هذه الحالة! قبل عشر سنوات كنت لا اكتفي بحفظ ملامح من اجدهم في الطريق بل اعرف الى من ينتمون, اما جيراني, وابناء الفريج وحتى اهل بقية الاحياء المحيطة بنا فأنني اعرفهم جيدا, واحمل ذاكرة طويلة لانسابهم, واجددها في لحظة وصول مولود جديد. كنت وكنا نتعارف ونتواصل, لهذا يصعب ان يسقط اسم من الذاكرة او ان تمسح ملامح من تعرفهم حتى لو غيبهم الزمن. اليوم, لا أجد هذه الذاكرة, اشعر بالزعل لحالي واشعر بالخوف من الايام المقبلة, كيف سيكون حالي معها اذا اليوم بهذه المرارة وقسوة الجهل بمن يفترض انك تعرفهم جيدا, وتعرّف الآخرين بهم, وانهم في صفحة ذاكرتك الرئىسية التي تحضر باستمرار والتي يفترض الاتغيب ولا تمسح ابداً. حالة الذاكرة التي تفتقد خاصية تخزين الاسماء وحفظ الملامح قد تبدو عامة يعاني منها البعض الكثير, فأيقاع الحياة التي نعيشها لايعطي فرصة للتذكر او اضافة ملامح وجوه جديدة, فبدون ان نشعر نخسر في لحظة اليوم او الشهر اسم او ذاكرة وجه, ومع دورة الايام يكبر الرصيد المفقود, ولانشعر بهذه الخسارة الا في المناسبات او عندما يأخذنا الحنين في رحلة العودة الى الوراء. من المتسبب في حالة الجهل بمن نعرف والتعرف على من يفترض ان نعرفهم؟ دوامة المشاغل التي لا تنتهي والتي تدور بنا هي عامل مسبب ولكنها ليست الاساس. العامل الاول هو غياب ذلك النسيج الاجتماعي الذي كان يجمعنا ونجتمع فيه, تلك العلاقات التي تتجدد في المناسبات اذا حضرت او اختلاق المناسبات اذا طالت غيبتها. ذلك الوصل الذي كنا نشعر فيه, بمعنى ان يولد الانسان في محيط مجتمع, واهمية ان تكبر الاسرة الصغيرة وان يتقارب اهل الحي, ويتواصل ابناء المجتمع الكبير. فعندما كانت تحضر (العزايم) و(البرزة) وجلسات السوالف لم تكن هناك غربة, ولم يكن يخالج الانسان شعور الجهل بمن يعرف, ولا اظنه كان يشعر بهذه الخسارة التي نعانيها اليوم, عندما نطالع الوجوه القريبة منا ولا نعرف هويتها.. وبأي اسم نناديها!

تعليقات

تعليقات