استراحة البيان: تلك التي لاتعرف حمرة الخجل: يكتبها اليوم - مصطفى كمال

لم تكن اميلدا ماركوس هي الراقصة الوحيدة التي ارتفعت من مواخير الكباريهات الى اعلى مراكز صنع القرار المؤثرة في حياة الامم والشعوب فقد سبقها الى ذلك كثيرات, نذكر منهن, على سبيل المثال زوجة الزعيم الصيني ماوتسي تونج التي هجرت مهنة الرقص لتتزوجه وتشاركه كفاحه الثوري, وتقاسمه عنت المشوار الطويل الذي تتوج بالانتصار مرتين, مرة ضد الغزو الياباني, والثانية بالقضاء على حكم الكومنتانج الذي انتهى بطرد شيانج كاي شيك واعوانه الى جزيرة تايوان في عرض المحيط, والجلوس على رأس السلطة في بكين الى جوار زوجها لفترة طالت الى ما يقرب من ربع قرن بالتمام والكمال.. وبعد وفاة ما وتسي تونج تزعمت عصابة الاربعة من اجل الحفاظ على مبادىء زوجها, كما كانت تفهمها, وظلت تناضل ضد كل محاولات الاصلاح التي قادها خليفته دينج هسياوبنج حتى انتهى بها الامر الى الهزيمة والسجن الذي قضت فيه ايامها الاخيرة. ونذكر من هذه العينة الراقصة ايفا بايرون, زوجة الزعيم الارجنتيني الجنرال بايرون, والتي يعزي اليها الارجنتينيون الفضل في تحويل زوجها من دكتاتور عسكري طاغية الى مصلح اجتماعي عظيم.. وحتى بعد ان لقي بايرون حتفه, رفعها الشعب الى مرتبة القديسين وظلت هي محتفظة بهذه القداسة مؤكدة بتصرفاتها وانحيازها للفقراء والجياع من ابناء شعبها المساكين انها تطهرت تماما من كل ادران الكباريهات وسوءات البؤر الفاسدة التي تنحصر مهمتها في توفير اسباب المتعة الرخيصة لعصابات المافيا وكبار تجار السلاح, والمخدرات الذين يبنون ثرواتهم على حساب المظاليم. وقد نذكر منهن, ايضا على سبيل المثال زوجة الزعيم النازي جوزيف جوبلز.. وزير دعاية هتلر الذي ترك بصماته على حرفة الدعاية على مدى القرن العشرين وربما لعشرات السنين من بعده.. وقد التقطها بدوره من احد الكباريهات لتقاسمه السلطة والشهرة... ثم الموت انتحارا عندما كانت قوات الجيش الروسي تدك اسوار برلين. ولكن اميلدا ماركوس عينة مختلفة عن كل هؤلاء وامثالهن... فقد كانت هي التي التقطت زوجها, فرديناند ماركوس, وكان لم يزل محاميا مغمورا لايكاد يجد رزقه على ابواب المحاكم في مانيلا... ولا يعرف وسيلة لعلاج احساسه بالفشل سوى معاقرة الخمر ومجالسة الغانيات في ارخص كباريهات العاصمة الفلبينية الغاصة دائما بضباط وجنود الحامية الامريكية. وفي واحد من هذه الكباريهات تعرفت الراقصة الجميلة اميلدا بالمحامي الشاب فرديناند ماركوس. ويقول الذين ارخوا لسيرة اميلدا ان لقاءها بفرديناند ماركوس لم يكن صدفة, وانما كان بتدبير وتحريض من بعض الضباط الامريكيين من رواد الحانة التي تستأجرها للرقص والترفيه عن الرواد. وكانت الولايات المتحدة في تلك الفترة تستعد لاجلاء قواتها عن الفلبين حتى لا تصطدم بالقوى الوطنية المطالبة بالاستقلال, وتبحث عن رجل ينوب عنها في حكم البلاد, ويكون عجينة لينة في يدها يصدع بما يؤمر, فدلتهم الراقصة اميلدا على المحامي الشاب, جليسها في الحانة.. ولما وجدت من الامريكيين قبولا باختيارها, وايقنت ان الطريق انفتح امامه, تزوجت منه حتى يكون لها من الغنيمة نصيب... واي نصيب! فقد ألف الامريكيون حزبا فاز في اول انتخابات خاضها في اواخر الستينات بالاغلبية المطلوبة, وقوبل هذا الفوز بثورة عارمة من جانب جماهير العمال والفلاحين والطلاب والمهنيين.. غير ان ماركوس وزوجته واجها هذه الثورة باعلان الاحكام العرفية ومورست مع العناصر الثائرة ابشع اشكال التعذيب... وترددت وقتها حكايات عديدة عن جلسات التعذيب الخاصة التي كانت تتم بمعرفة اميلدا ماركوس وبناء على اوامرها وكيف انها تجد متعة لاحد لها في اجراء بعض عمليات التعذيب بنفسها, وخصوصا عندما تطفىء بيدها اطراف السجائر المشتعلة في صدور السجناء العارية... والنساء منهم بالذات! وقمعت الثورة, وحصلت اميلدا على نصيبها الرسمي من الغنيمة, بأن اصبحت المسؤولة مباشرة عن التخطيط والتنمية في البلاد وفي ظل موجة الفساد العارم التي قادها الرئيس ماركوس كان هذا المنصب يعني بالنسبة لاميلدا معينا لاينضب للرشوة والسرقة والاختلاس. ولم تفرط راقصة الكباريه في ذرة واحدة من الفرصة السانحة... وكان من الطبيعي ان تواجه موجة الفساد النازلة من قمة السلطة بمقاومة عنيدة من جانب فئات الشعب رغم تدابير القمع المسرفة في العنف والقسوة. ولكن عصابة اميلدا وزوجها اخذتهم العزة بالاثم.. فكلما تصاعدت المعارضة ضاعفوا من طغيانهم... حتى بلغ بهم الامر ان اغتالوا زعيم المعارضة وكان محاميا شابا ايضا اسمه بنينواكينو في لحظة وصوله الى مطار مانيلا عائدا من نفي طويل بأمريكا وبناء على دعوة مصالحة من اميلدا.. وبات معروفا للجميع ان رجالها هم الذين قتلوه. وكانت هذه الجريمة هي التي دقت آخر المسامير في نعش نظام ماركوس واميلدا. فقد اغتيل بنينو اكينو في يوم 21 اغسطس 1983, وبعد ستة اشهر فقط كان ماركوس وزوجته يهربان من البلاد تحت وطأة موجة هائلة من المظاهرات المطالبة برأسيهما... وتولت كورازون اكينو ارملة زعيم المعارضة الشهير رئاسة الجمهورية... واعلنت على الملأ تفاصيل جرائم السرقة والرشاوى والاختلاسات التي قادها الرئيس الفاسد وزوجته الحسناء, خريجة احقر كباريهات مانيلا. واقتحمت الجماهير قصورهما, ليكون من اطرف ما اكتشف في احدها قاعة كبرى بها اكثر من 3000 حذاء حريمي... من ضمن مخصصات السيدة الفلبينية الاولى... وهذا مجرد مثال. وبالاضافة الى الممتلكات الهائلة المنقولة والثابتة التي لم يستطع المحامي الحرامي وزوجته راقصة الكباريهات حملها معهما وهما يهربان, والتي صادرتها السلطة الجديدة, تبين انهما هربا الى بنوك سويسرا اكثر من 940 مليون دولار نقدا وعدا. وعندما مات ماركوس في المنفى, انتقلت الحسابات السرية لهذه المبالغ الطائلة لملكية اميلدا. وجرت بعد وفاة ماركوس محاولة للتسوية, استخدمت فيها الولايات المتحدة كل نفوذها, لتسمح حكومة الفلبين الجديدة بعودة اميلدا ماركوس الى مانيلا, في مقابل سحب 500 مليون دولار من حسابها السري بالبنوك السويسرية لحساب الحكومة الفلبينية. وعادت اميلدا الى مانيلا, لتجد نفسها مقدمة للمحاكمة.. وبالفعل, صدر ضدها الحكم بالسجن 12 عاما.. عقابا على اتهامات ثابتة بالفساد والاختلاس من مال الشعب... غير انها استأنفت الحكم, ودفعت الكفالة المقررة لحين البت في الاستئناف, فلم تدخل السجن, وان كانت ممنوعة من مغادرة البلاد. ولكن, ما الذي اثار الآن كل هذا الحديث عن راقصة الكباريه السابقة اميلدا ماركوس؟ انه خبر صغير, جاء في ذيل صفحة الانباء الخارجية ببعض صحفنا العربية يقول دون تعليق: ان السيدة اميلدا ماركوس رشحت نفسها لرئاسة الفلبين في الانتخابات المقرر اقامتها في اوائل الصيف المقبل.. وانها تقيم دعايتها الانتخابية على منشور يقول انها تريد ان تفوز بالرئاسة حتى تستطيع تحويل الاموال المهربة للحسابات السرية في بنوك سويسرا الى صندوق رعاية الاطفال الفلبينيين! وليضرب من لايعجبه هذا الكلام رأسه في اقرب جدار... ولكن أليس من الصعب فعلا ان تعرف حمرة الخجل طريقا الى وجه راقصة كباريهات محترفة... وخصوصا اذا كان الكباريه المقصود في مانيلا؟

تعليقات

تعليقات