فقر روحي روحي ... أم قلة محصول ابداعي؟ عداء المثقفين يتحول الى ظاهرة مرضية في الشارع المصري

احمد الشيخ: المبدع الحقيقي لا يستطيع ان يمارس الكراهية ابراهيم اصلان: ظاهرة مؤسفة, والمفروض ان تكون قطاعات المثقفين بمنأى عن المسالب والمعايب فريدة النقاش : السر في غياب المعارك الكبرى د. سيد البحراوي: سياسة الدولة افسدت المثقفين د. محمد حسن عبد الله: نحن نعيش في عصر المماليك, من يملك وظيفة يملك خيرها تزايدت في الفترة الاخيرة حالات العداء بين المثقفين الى ان اصبحت ظاهرة ملحوظة, وصلت الى حد تبادل الشتائم والاتهامات على صفحات الجرائد وفي المحافل الادبية. ليصبح امرا لايدعو الى الاستغراب ان نجد اديبا يتهم آخر بسرقة احدى قصصه او مقطعا من احدى رواياته, او كاتبات يهاجمن كاتبات اخريات لاهتمام النقد بهن, او كاتبا صحفيا مغمورا يسب كتابا وشعراء كبارا دون مبرر لذلك, او شاعرا كبيرا ينفي جيلا باكمله ويتهمه بالفساد والجهل بحثا عن لفت الانظار اليه من جديد, بعد ان انصرفت اجهزة الاعلام عنه. والى حد ان الصفحات الثقافية في بعض الصحف الصادرة بتراخيص خارجية (صحف الاثارة) تخصصت في الطعن في الكثير من المثقفين والادباء. ونحن في هذا التحقيق لا نبحث قضية بعينها من هذه القضايا والعداوات ولكن نبحث في جذور هذا العداء, اسبابه, و دوافعه. يقول الاديب سليمان فياض : اولا هي ليست ظاهرة عداء, انما هي ظاهرة خلاف في الرأى والاتجاهات, وهي مماثلة تماما لخلافات في التفكير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في مصر, خاصة وفي المجتمع العربي عامة, فلم نصل جميعا بعد الى تقارب من وجهات النظر في فترة عاصفة من الانتقالات السياسية والتغييرات الاقتصادية حتى منتصف القرن العشرين الى اليوم, وقد أسهمت القوى العالمية بدور كبير. ثانيا: هي عدم وجود منابر كثيرة ليعبر فيها الادباء الكبار والصغار معا على صفحاتها عن اختلافهم في الرأي ويحيلون هذه الخلافات الى تيارات ومعارك فكرية مثمرة, ونتيجة لذلك, اخذ الخلاف والحوار طابع الخصومة والاقوال الصحفية السريعة والمبتترة الى أحكام عامة غير محددة او مبررة وقلة المنابر مماثلة تماما لقلة السلع في السوق, فالطلب كثير والعرض قليل, ولاحل لهذه القضية سوى تعدد المنابر على ان يكون لكل تيار منبره فلا يتحكم تيار وحيد في التيارات الاخرى من خلال منبر وحيد. فهناك عدد من المجلات الرسمية في الدولة, لكنها تعتبر منبرا واحدا لتيار واحد وان تعددت مجلاته. المبدع الحقيقي لا يمارسها ويقول الروائي احمد الشيخ: الاصل في مسألة الادب انه ارقى نشاط انساني وان هدفه هو اشاعة الحب والسلام بين البشر. وربما نبرر للادباء شعورهم بالمنافسة في محاولة التخطي والتجويد الابداعي اما مسألة الكراهية والعداء فلا يلجأ اليها الا انصاف المواهب .. المبدع الحقيقي لا يستطيع ان يمارس الكراهية, لكن المدعي الذي يقحم نفسه في سلك المبدعين لا يملك غير تلك الاساليب الرخيصة من كراهية وعداء ومؤامرات ضد من يبدعون بحق والاصل في الحركة الثقافية هو الحب والتآلف وتلك الظواهر الشاذة للقلة لا تعني ان واقعنا الثقافي والادبي يعاني من امراض الكراهية او الاحقاد .. ولابد ان يلتفت الواقع الثقافي الى اهمية تنقية الاجواء من هؤلاء الذين يضللون جمهور المتلقين او القراء بغرض الزيف والتقييم لاهداف رخيصة. عداء شريف أما د. مدحت الجيار فيرى ان العداء بين كبار الادباء او بين المفكرين كان لاسباب ايديولوجية وعقائدية ومذهبية, كان عداء شريفا, اذ كانت هناك مبررات للعداء بين المازني وشكري والعقاد والرافعي, وطه حسين والازهر. ثم اصبح العداء الآن بسبب الفقر الروحي وقلة المحصول الثقافي فقد افتقد الادباء القضية الرئيسية فهو موا في في الفضاء احيانا, وصوبوا سهامهم في صدورهم - فالآن تذهب جوائز الدولة الى اناس لظروف انسانية وليس لمحصول فني او ثقافي وبالتالي تقوم الاحقاد بين من يعتقدون انهم اولى واحق بهذه الجوائز من غيرهم, وينشر بعض من لا يستحقون النشر بسبب صلات او مصالح يعطيها كل طرف للآخر فيكون من الطبيعي ان يحقد اناس على اناس. ثم تورثت هذه الخلافات والاحقاد, ويجد الشبان انفسهم في خصومات مع الشيوخ ويجد كل جيل عداوة مع الجيل السابق له واللاحق عليه, كل هذا لان القضية الرئيسية قضية ان نطور فننا وثقافتنا وان نعطي كل ذي حق حقه بعيدا عن الزفة والمجالات والاحتفالات. وانا اتساءل لماذا هذا الخلاف والعداء و ماذا سيجني الادب العربي منه الا ان نترك الفن والثقافة ونتجه نحو المعارك الوهمية التي نحس فيها انتصارا زائفا. وبدلا من ان نتفرغ للابداع نتفرغ للشتائم والخلافات ولاشك ان ذلك سيعدي الاجيال القادمة وسوف تنفجر مشكلات لاحصر لها تقليدا للكبار, بدلا من تقليدهم في انجازاتهم الثقافية فلماذا لا نفتح ابواب الحوار حول نهضة مصر التي طال رقادها ؟! وقفة أما الناقد شمس الدين موسى فيقول : ما تسميه انت العداء بين الادباء اريد ان اقف امامه, هل تقصد العداء بين الاجيال السابقة واللاحقة ام الصراع بين افراد الجيل الواحد؟ اذا نظرنا الى الشطر الاول من العداء او التناقض كما احب ان اسميه لان كلمة تناقض كلمة ادبية وعلمية واعني بها الصراع اي الصراع بين الاجيال المختلفة فهذا مشروع ان يكون هناك صراع او تناقض بين الاجيال المختلفة, فهذا مشروع ان يكون موجودا, وذلك يرجع الى الاختلاف في الرؤى والمواقف الاجتماعية وشىء آخر ربما يكون الباعث الاكبر على هذا الصراع ويتمثل في ضيق الرقعة الادبية والاعلامية والصحفية, فهذه الرقعة بالنسبة للاجيال الحديثة او الاحدث ضيقة للغاية, ونستدل على ذلك بعدد المجلات التي تصدر و عدد الصحف والمساحة المسموح بها للادب والفن والثقافة ولعلك تتفق معي في انها محدودة نتيجة لذلك فان من الصعب لاي اديب او كاتب او رسام او مسرحي عليه ان ينتزع مساحة. الآن المساحات محجوزة سلفا للسابقين والمشهورين وما يتبع ذلك من وجود تربيطات او شلل كما يحلو للبعض تسميتها مصلحية, فكل ذلك يدعو لوجود ذلك التناقض الذي يحتدم احيانا ليأخذ شكل الصراع. أما الشق الثاني, وهو الصراع بين ابناء الجيل الواحد فنحن في حال من السوء لا نحسد عليها, لانه كان من الواجب ان يكون الصراع بين الجيل الواحد صراعا صحيا, فنيا, فكريا, او ابداعيا, حتى تثري الحياة بدلا من ان يكون الصراع مصالح ومن اجل الحياة, وما ابعد الشقة بين اثراء الحياة والاحتياج الى تأكيد الحياة. ظاهرة مؤسفة ويقول الروائي ابراهيم اصلان : انها حقا ظاهرة مؤسفة وان كانت غير مدهشة باعتبار اننا نعيش في مناخ خانق لكل الاشياء بشكل عام ... وان كان من المرجو ان قطاعات المثقفين والمبدعين ان بمنأى عن المسالب والمعايب ولكن للاسف انها متوافقة مع السياق الاجتماعي العام - ويبقى الجانب المؤسف فيها انها - لا تعرف - حالة من عدم التوازن انتاب الجميع, فالكل ترك هويته الاصلية كأديب واتجه الى اهتمامات اخرى هي الاعلام والشهرة, واصبح المثقفون في عزلة عن مجتمعهم بدلا من الالتحام به, حتى تصير مشكلاته مولدا لمزيد من الابداع واصبح الناس في واد والمثقفون في واد. ونظرة شاملة الى سنوات لاتجد قضية ذات قيمة مطروحة او اي شيء محوري لان ذلك لا يوجد الا في ظل علاقة صحيحة بين المثقفين والعمل الثقافي بشكل عام. والعمل الثقافي اقتصر على جانبه الاحتفالي دون ان يترك اثرا حتى صار العمل الثقافي لا جمهور له, ولا شك ان اتجاه المثقفين الى الخلافات الشخصية بدلا من الابداع, والعصف بكل التقاليد الثقافية النبيلة لا يمكن ان ينتج عملا ثقافيا جيدا. تهميش الثقافة ويقول الناقد والروائي ادوارد الخراط : اولا يقابل هذا الذي تذكر جو مناقض لحسن الحظ من الود والتفاهم والقبول بل الدعم ايضا والمساندة وابداء الرأي بموضوعية ومحبة , فلا ينبغي ان نغفل هذا الجانب المشرق القائم بالفعل ونحن نتحدث عن نقيضه. اما جو الصراع بين المثقفين فلعله في التحليل الاخير يعود الى ظاهرة يعاني المثقفون جميعا منها هي تهميش الثقافة وتغييب الوعي النقدي والتعمية على العقلانية بانواع من ضروب التسلية الفجة, او تغييب الفكر بالمواد التي تذيعها اجهزة الاعلام الجماهيري الذائعة وعلى الاخص منها التلفزيون, وتسهم الصحافة ايضا في ذلك بدور لا يستهان به, ان احساس المثقفين بغياب دورهم الفعال وانحسار اسهامهم في اتخاذ القرار لا فيما يخصهم فحسب, بل فيما يتعلق بهموم المجتمع كله, هذا الاحساس يدفعهم الى الانقلاب مع انفسهم فيما يشبه هوس تعذيب الذات والنيل من النفس. ولعل ما يشارك او يقوم بدور ملحوظ في هذا الصراع هم اقل المثقفين حظا من الموهبة الحقيقية, واحتياجهم للتعويض عنها بافتعال معارك في اغلبها مصطنعة او موهومة او لا أساس لها (والله اعلم) . الاقطاع الثقافي ويقول د. محمد حسن عبد الله: ربما اجد حرجا في الادلاء برأي في هذه القضية, لانني ضحية من ضحايا هذا الصراع. والحمد لله على السكينة في مكتبة بيتي, لأنني لم اتلق اي دعوة لاي مؤتمر في القاهرة, حتى في ندوة هيكل التي عقدت منذ فترة, وانا واحد من المهتمين والمختصين في ادب هيكل ومع ذلك يمكن ان يدعى مؤلف لم يكتب عن هيكل جملة واحدة ليقيم في الشيراتون ويتجول في القاهرة على حساب الثقافة. لكنها على اي حال ليست قضيتي وحدي, بل قضية المناخ العام, الذي هو مناخ اقطاعي, واظن بصدق اننا لم نغادر بعد عصر المماليك, من يملك مفتاح القلعة يملك كل شيء ومن يوضع في وظيفة فانه يصبح (كاشفا) له كل الخيرات, وله كل الحق في استبعاد بل كتم انفاس من لايقرون له بهذا الحق. اننا من اكثر البلدان في العالم تغنيا باسم بلادنا, ومع ذلك مانراه يدل عكس ما نقول, فالقبلية والشللية وتبادل المنافع هو الاساس الذي تدار عليه امور الثقافة, كما تدار عليه كل الامور تقريبا ودون مبالغة. غياب المعارك الكبرى اما الكاتبة فريدة النقاش فتقول : في اعتقادي ان السبب الرئيسي لهذه الظاهرة التي اخذت تتفاقم في حياتنا الثقافية في السنوات الاخيرة هو غياب اي قضية كبرى ينشغل بها المثقفون, فقد تراجع مشروع التحرر القومي, ومشروع الاشتراكية, واصبح هناك ما يمكن ان نسميه بالفراغ الروحي الذي دفع باعداد متزايدة من المثقفين الذي لا يسألهم او يستشيرهم الى التقوقع على الذات والانغماس في القضايا الصغيرة وخوض المعارك الصغيرة تعويضا عن المعارك الكبيرة الحقيقية, وهكذا تفاجئنا هذه الصراعات شبه الدموية التي يخوضها مبدعون كبار مع بعضهم البعض, فيحيكون المؤامرات ويطلقون الشائعات, ويدبرون المكائد ويتشفون من بعضهم البعض اذا مابدا ان هناك ما يمكن ان يكون كبوة لمبدع هنا او هناك. على كل حال اتمنى ان تنزاح هذه الغمة, وان نستطيع بعملنا المشترك من اجل اهداف كبيرة ان نستبعد من حياتنا المعارك الصغيرة وان يتخلص الجيل الجديد من المبدعين من هذا الميراث الثقيل والكئيب والذي هو حصادنا المرمن انهيار المشروع الوطني التحرري وتهميش المثقفين الذين كانوا في زمن سابق يشكلون مع العمال والجنود والفلاحين احد الركائز الرئيسية في قوى الشعب العامل المنوط بها تحقيق اهداف التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي. وما ان ينهض المشروع الجديد للتحرر والتقدم من كبوته الا وسنجد المثقفين وقد تخلصوا من هذه الامراض التي هي امراض التهميش والعزلة. سياسة الدولة ويرى د. سيد البحراوي ان سياسة الدولة في الفترة الاخيرة ازاء المثقفين ادت الى افسادهم, وتحويلهم لمجموعة من البشر فاقدي الابداع وفاقدي الاهداف في الحياة, ولاهم لهم سوى التكالب على المناصب والاموال وغيرها من الوسائل التي تشتري بها الدولة زممهم وأسماءهم واقلامهم لخدمة السياسة المباشرة او غير المباشرة, المعلنة او الخفية, طبعا هؤلاء المثقفون من حيث بنيتهم الطبقية مؤهلون للاستجابة لمثل هذه الضغوط والاجراءات لانهم ينتمون لفئة هشة التكوين عينها دائما على السلطة ولا تكتسب مشروعيتها الا من هذه السلطة. هذا هو القانون العام الذي تمثل بعض المراحل وبعض الشخصيات ذات الاصول الشعبية استثناءات له لا تلبث ان تقمع او تقهر لكي يسود القانون العام. ويقول الشاعر عبد المنعم رمضان : في قصة قصيرة لـ (دينو بوتزاي) الاديب الايطالي يحكي ان رجلا اصيب بالجذام, ونقل الى مستوطنة لعلاج المجذومين خارج روما, وهناك بدأ العلاج بتأمل ذاته وبعد فترة طويلة من التأمل احس الرجل انه قد شفى فذهب الى طبيب المستوطنة, وبعد ان فحصه اكتشف بقعة صغيرة لم تشف بعد في كعب قدمه, فامره ان يعود وان يستمر في تأمل ذاته, وبعد فترة اخرى, احس الرجل انه شفي, وذهب الى الطبيب, الذي امر بخروجه, وتهيأ الرجل للخروج وعند باب المستوطنة نظر تجاه روما فرأى قبابها وانوارها وتخيل ضجيجها ومؤامراتها, والصراع الدائر فيها ففضل ان يعود ليقيم بقية حياته في المستوطنة اذن علينا ان نقبل المدينة بكل صراعاتها المنطقية وغير المنطقية او تغادرها. غياب الثقة ويرى الشاعر مريد البرغوثي ان غياب الثقة في الذات وراء كل هذه الظواهر التناحرية هذا سبب, والسبب الثاني تناقض مفهوم القيمة الفنية في نظر المؤسسة الرسمية الثقافية والاعلامية, والقيمة النابعة من النصوص الفنية نفسها, هناك هوة بينهما, توزيع القاب العظيم والكبير وغير ذلك .. ولاتساع الغربال الذي يدخل الفيلة من ثقوبه. مجتمعاتنا ليست فيها مشاركة, مشاركة المواطن في ادارة حياته, مشاركة الفنان في الحياة الثقافية معرضة لمصاعب كثيرة, ولذلك يتقوقع على ذاته, وتنشأ في داخله هذه الظواهر انه صراع محبطين .. الكاتب المتحقق لا يخوض معارك سفيهة مع احد, ولا تكن له حسابات صغيرة عبارة , فمثل هذه الخلافات تنشأ اساسا بين المحبطين والشاعرين بعدم التحقق. وتقول الاديبة مي التلمساني : اذا اردنا ان نحكم على بعض الخلافات الشخصية بين المثقفين بمعيار القيمة الادبية والثقافية والاخلاقية, فاننا لاشك سنكتفي بادانتها او على اقل تقدير بتحويلها الى مادة للتندر والسخرية وسنكتفي باعادة انتاجها باشكال مختلفة شفوية او مكتوبة, وتنقع في كافة الاحوال في نفس الدائرة المغلقة, واذا حاولنا ان نبحث في جذورها لنفهم اسبابها ودوافعها الظاهرة والخفية فاننا بذلك ننمي داخلنا ذلك الجانب الفضولي المباحث لا لشيء الا لنقتل الوقت, وليس اشهر من معارضات الجرير والفرزدق نموذجا يتكشف لنا منذ العصر الامور لمشادات وخلافات المثقفين, ولكنها في النهاية انتجت ادبا واغراضا شعرية مثل الفخر والهجاء ولكن ما الذي تنتجه خلافات مثقفينا اليوم, لاهي خلافات ايديولجية, ولا هي خلافات ادبية تسمح بتطوير مفاهيم وقضايا تخص الابداع ويبقى ان كثيرا من هذه الخلافات في رأيي نتاج اندفاع شخصي, من الممكن ان ادرك اسبابه واجد له عذرا في الضعف الانساني, فمن منا يستطيع الا يكون منحازا بصورة او باخرى, ولكن القليلين يظلون منحازين دون ان تصل انحيازاتهم الى صفحات الجرائد لتكون مادة لخلافات وهمية. فترة تحولات ويقول الشاعر امجد ريان: شهدت الفترة الاخيرة صراعات مختلفة بين المثقفين والكتاب, بل واخذت هذه الصراعات اشكالا غير فكرية او ثقافية وانا اتصور ان الامر كان منتظرا بل وسيظل لفترة غير قصيرة, وانا اتخيل ان الواقع يدخل الى مرحلة جديدة غير اعادة التوازنات الكبرى في العالم كله, المعطيات الجديدة تمس طابع الحياة اصلا, هناك تغيرات اقتصادية واجتماعية جذرية تهدد اكثر القيم ثباتا وتدفع باكثر المستقرات رسوخا الى الزوال التدريجي. وعلى المستوى الفكري يشهد الواقع لاول مرة منا قشات حول قيمة التحديث نفسها, التحديث الذي كان مبتغى المثقفين لفترة طويلة, هناك افكار تشكك في قيمته الآن وفي جدواه, وعلى المستوى نفسه هناك مناقشات موازية تشكك في اكثر القيم الفكرية والنقدية اصالة مثل البنيوية التي كانت لها صولات وجولات حتى عهد قريب وعرفنا لاول مرة مناقشات حول فكر مابعد البنيوية. اما بالنسبة للكتابة فحدث ولاحرج, هناك موجة عارمة من الكتابة الجديدة تتشكك الآن في كل ماطرحه الكتاب والمبدعون في العقود الماضية, وينتبه الادباء اكثر الى معطيات مختلفة تؤكد الحس المباشر والجسدنية, وتأكيد الرؤية المحايدة للاشياء بدون وصايا من اي منظورات فكرية وجمالية سابقة , فمن الطبيعي والحال هكذا ان يحدث الصراع بين هؤلاء الذين مازالوا متمسكين بما هو قائم, وهؤلاء الذين يؤمنون بالتغيير وبمرونة النظر الى تطورات الواقع الفكرية والثقافية. ظاهرة غريبة ويرى المترجم احمد عمر شاهين ان ظاهرة العداء هذه, ظاهرة غريبة تحتاج الى تفسير, ويقول : لا اعرف اسبابها الحقيقية وما وراءها, ولا لماذا يتصارع المثقفون والكتاب وما هي الاهداف التي يتصارعون عليها, هل في الامر غيرة للحق ام تنافس, وحتى التنافس لابد ان يكون شريفا وليس بهذا الشكل؟ هذا الصراع يحتاج الى دراسة نفسية طويلة, والا نقف عند اجابة سؤال عابر يوجه لهؤلاء المثقفين , حتى نعرف ما الذي حدث في نفسية المثقف في اواخر القرن العشرين. ويقول الكاتب محمود قاسم, هناك سمة واضحة لدى الكثير من المبدعين, وهي ان كلا منهم ذاتي مهتم بنفسه, يستخدم دائما وبكثرة لفظ الأنا, ويعتبر ان ابداعه هو الأنا العليا, وان انتاجه هو الاول والاهم, لذا فان الأنا الاخرى تجيء في المقام الثاني بعد (أنا) الكاتب, وهذا يسبب العديد من المتاعب لذات الكاتب, والأنا الخاصة به, فنجاح اي (أنا) اخرى من المبدعين تجعل (أنا) الكاتب في مقام ثان, وتجعل الكاتب يحس انه في مقام ادنى مما يتصوره عن نفسه وبالتالي فانه عندما يأتي النجاح لكاتب آخر يشعر الكاتب (الأنا) ان هذا الآخر سرقه واغتال نجاحه, وأنه اخذ منه ما كان يستحقه باي ثمن. ومن هنا يأتي الحديث عن الأنا بافضل ما يكون عندما يتكلم الشخص عن نفسه, وفي المقابل فان الآخر محل انتقاد ويجب تقليص قيمته, وان يوصم بالنقائص من اجل اعلاء (أنا) الكاتب, لذلك فنميمة المثقفين أشد سخونة من نميمة النساء. خاصة اذا فاز الآخر بجائزة او حقق نجاحا, فتزداد النميمة والتفسيرات لعدم كفاءته وتشويهه رغبة من (أنا) الكاتب في توقف الآخر, ليكون هو وحده الاول بين البشر. القاهرة : محمد الحمامصي

تعليقات

تعليقات