يمينه بن جيجي تضئ أسرار من يعيشون حياتهم في الظلال خطايا الهجرة ومشكلاتها كما تراها فرنسية بقلب عربي - البيان

يمينه بن جيجي تضئ أسرار من يعيشون حياتهم في الظلال خطايا الهجرة ومشكلاتها كما تراها فرنسية بقلب عربي

تبدأ يمينه بن جيجي كلامها ببساطة وعفوية ووضوح, وكأنها تحكي حكاية من قلب الأساطير وليس حكايتها الشخصية فتقول: كنت في الثامنة عشرة من عمري, عندما التقيت شاباً في القطار المتجه إلى مدينة ليل التي كنت أدرس فيها. وكان مسلماً أيضاً, وطلب مني أن أخرج معه لبعض الوقت, فكان ردي: عليك أن تستأذن من أبي أولاًَ. وبالفعل تم الزواج على الطريقة التقليدية حسب رغبة الوالدين, لكن الأمر كله كان بالنسبة إلى يمينه بن جيجي وسيلة لتحقيق غاية الهروب من قيود أب متسلط, كان ينوي إرسالها إلى وطنها, الجزائر, لتتزوج في إحدى القرى النائية هناك. وتواصل يمينه سرد قصتها قائلة: تزوجنا بعد أسبوعين اثنين فقط, وفي ليلة العرس هربت إلى باريس. ولم أر عريسي بعد ذلك قط, ومنذ تلك اللحظة بدأت حياتي التي أردتها. ولا شك أن يمينه ولدت لتكون روائية من طراز خاص. روائية موهوبة تستطيع أن تجعل من أحداث قصتها وقصص الآخرين أحداثاِ حية تقرأها (أو تسمعها) وكأنك تراها وتعيشها لحظة بلحظة. كما أن لها من ملاحة الوجه وجمال الهيئة وقوة الحضور ما يجذب إليها الناس. هي في الأربعين من عمرها, لكنها جميلة. شعرها الأسود, وعيناها العسليتان الواسعتان, وبشرتها الكهرمانية, سمات تزيدها جمالاً وتكسبها جاذبية من نوع خاص. وهي تروي حقائق مدهشة عن الحياة في المهجر الفرنسي, إذ ان قليلين من بين أربعة ملايين مهاجر مسلم يعيشون في فرنسا ــ أغلبهم من دول شمال افريقيا الفرانكفونية ــ يشعرون بالاستقرار والراحة في وطنهم الجديد. فيما يشعر الفرنسيون أنفسهم باستياء كبير, وبعدم ارتياح لهذه الموجة من المهاجرين التي بدأت في الخمسينات, معتبرين أن العرب غير قادرين على الاندماج في مجتمعهم, على عكس المهاجرين الأسبان والبرتغاليين الذين توافدوا على بلادهم بأعداد كبيرة في نفس الفترة تقريباً. وعلى الرغم من انها لا تهتم كثيراً بالأبعاد السياسية للمشكلة, فإن يمينه تعتبر نفسها الناطقة باسم أولئك الذين يعملون في الظلال لخلق حياة جديدة لهم ولأبنائهم على أرض غريبة. وقد نالت روايتها الوثائقية (النساء) جائزة مؤخراً في سان فرانسيسكو, وتروي فيها ــ دون تحفظات أو تجميل للواقع ــ قصة مجموعة من النساء ذوات الأصول العربية اللاتي قررن أن ينجحن في حياتهن داخل المجتمع الفرنسي. وفي كتابها الجديد (ذكريات مهاجرين) تعرض يمينه لمأساة عدد من المهاجرين الآتين من شمال افريقيا للحياة في فرنسا. وتسلط الضوء على معاناتهم وإحساسهم العميق بالألم لهجرهم أوطانهم واضطرارهم لمعايشة الكراهية والازدراء من أبناء الأرض التي اختاروا أن يستقروا فيها. كما أنها تركز على الموروثات الثقافية التي يتركها هؤلاء المهاجرون لابنائهم من بعدهم. والعودة إلى الوطن ــ الجزائر في هذه الحالة ــ هاجس ووهم قليل من المهاجرين يستطيع إسقاطة (أو على الأقل ابعاده) من مخيلتهم, والتركيز على مواجهة متطلبات الحياة في الغربة. والشهادات التي جمعتها يمينه في كتابها (ذكريات المهاجرين) تؤكد ذلك, ومنها حالة خميس الذي طالما خطط للعودة إلى وطنه, رغم انه أمضى أكثر من اثنين وعشرين عاماً في فرنسا, ويعمل حالياً في أحد مصانع السيارات في باريس حيث يقيم في إحدى ضواحيها. كذلك خضر الذي يحلم بالعودة إلى بلاده بعد سنوات عديدة قضاها في مناجم الفحم بشمال فرنسا. سيدة أخرى تدعى يمينه أيضا تدرس القراءة والكتابة بالفرنسية للسيدات المسلمات في فرنسا حتى يستطعن الاعتماد على أنفسهن, تتمنى العودة إلى الجزائر يوماً ما. وكذلك جميلة التي استطاعت أن تشتري منزلاً, وهي تتكسب من طهي الطعام لكبار السن. لكن الحقيقة المرة أن الجزائر التي يحلم جميع هؤلاء بالعودة إليها لم تعد هي نفسها الجزائر التي تركوها في شبابهم أو أخبرهم عنها أهليهم. وتقول يمينه بن جيجي: ما اكتشفته عبر الاستماع إلى أولئك الشهود, وخلال الحفر داخل ذاكرتي, هو أن آباءنا وأمهاتنا سقطوا في فخ الهجرة. لقد عاشوا في الغربة خوفاً من سلطات الاحتلال الفرنسي في بلادهم.. والأدهى من ذلك أنهم عاشوا بعقدة ذنب كبيرة تجاه وطنهم الذي هجروه. ذلك هو السبب في أنهم ربوا أطفالهم على (أسطورة) العودة ذات يوم إلى الوطن, بل وكانت حقائبهم دائماً معدة للرحيل. تعمدوا أن ينقلوا انطباعاً لدى أقاربهم في الجزائر بأن كل شيء يجري على ما يرام في بلاد الغربة. لكن قليلين جداً من هؤلاء المهاجرين عادوا بالفعل إلى وطنهم الأصلي) . وتضيف: المفارقة هي أن مجتمعات المهاجرين الوليدة عادة ما تتسم بالميل إلى المحافظة بدرجة أكبر ربما مما هي عليه المجتمعات في بلادهم الأصلية. فالجزائريات اللاتي يقمن في الجزائر, لديهن قدرة أكبر على التطور وتعديل الأنماط التقليدية مقارنة بنظيراتهن اللاتي يقمن في فرنسا. إنه مجتمع الغربة الذي يتولى مسؤولية الحفاظ على التقاليد, ويثير مخاوف من أي تجديد حرصاً على عدم فقد الهوية الأصلية. وتواصل يمينه حديثها المعبر عن فلسفة امرأة تعيش بجسدها في بلد أوروبي بينما بقيت روحها مشدودة إلى جذورها العربية المسلمة, فتقول بنبرتها الواثقة: أنا متأكدة من أن خلاصنا سيكون عبر طوق التعليم. المعرفة هي السبيل الوحيد إلى نيل الحرية. خاص لـ (البيان) من رلد نيوز ويك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات