استراحة البيان: عيد في بغداد، بقلم: سعيد حمدان - البيان

استراحة البيان: عيد في بغداد، بقلم: سعيد حمدان

في ,1989 في مثل هذا اليوم, ثاني ايام العيد, كنت على مقعد الطائرة العراقية متوجها الى بغداد. الرحلة بناء على دعوة رسمية لزيارة العراق, لأتذكر موضوع المناسبة قد يكون عيد ميلاد الرئيس, وقد يكون عيد من اعياد الثورة والانتصارات الجمهورية وما اكثرها. المهم انها كانت عندي مناسبة لزيارة العراق, وطبعا عراق 89 لها مكانة في قلوب الامة, فهي الدولة العربية التي خاضت حرب طويلة قاسية مع جارتها ايران, ورئيسها هو الزعيم العربي صانع الصاروخ الذي سيدمر اسرائيل والذي حلف بعزة العرب انه سيفعل ذلك. فكانت مناسبة لا تتكرر ان ارى العراق بعد الحرب, وان اشاهد بالعين لأول مرة ذلك التاريخ الذي قرأته سنوات طويلة في كتب المدرسة عن حضارة ومجد العرب والاسلام. اصعب ما في الزيارة كان توقيتها, فهي في العيد وفي اليوم الثاني مباشرة, والاقلاع من مطار ابوظبي الدولي. طائرة الخطوط الجوية العراقية كانت مزدحمة بالمسافرين العائدين وجوه المضيفات عابسة لا تبتسم مع ان المناسبة عيد سعيد, حتى حديثهم مع اهلهم من المسافرين كان بنبرة تحمل الاسى والشكوى من حالة البلد. التوقيت المتأخر الذي وصلت فيه الى مطار ابوظبي لم يسمح لي بالبحث عن زملائي من الصحف الاخرى, ولم يسعفني كذلك بتصريف عملة البلد الذاهب اليه, وقد اكون حاولت عند آخر صراف في صالة المغادرين ولكنني لم اجد الدينار العراقي. وصلت طائرتنا في وضح النهار وبسلام واستطعنا تحديد ملامح المدينة عن ارتفاع وبشكل واضح. في صالة القادمين بحثت عن الزملاء وكانت مفاجأة ان يكون معي شخص وحيد هو الاخ والاستاذ محمد السعيد ادريس. دخلنا المدينة وفي دواخلي قلق, فلم تكن هي التي رسمتها وقرأتها في تقارير واخبار الصحف, انها مكتظة بالناس وتشعر في حركتهم بالامل والبحث عن حياة افضل ولكن تجد كذلك واقع مدينة خارجة من حرب طويلة, ولا يعرف قسوة الحرب ولا يشعر بمرارة هذا الواقع الا من عايشه او شاهده عن قرب, اقمنا في قلب بغداد, بفندق فلسطين, وتذكرت هذا الفندق بعد عام, والعالم يتابع غزو الكويت, ويترقب البث الحي للـ C.N.N ويشاهد تقارير (بيتر آرنت) من داخل بغداد, كان يبثها من هذا المكان. اول الوصايا التي تلقيناها في الفندق اهمية الاقتصاد في الكهرباء, ونبهني الاخ محمد ادريس بأنني في ورطة لانني لم اغير العملة, فلا احاول التصريف هنا والا فأنني سأخسر. وسبق للزميل ادريس ان زار بغداد من قبل, لهذا كانت الرفقة معه مأمونة لانه يعرف البلد, وكانت نصيحته ان نترك البرنامج الرسمي للزيارة, واكتفينا منه بحضور سهرة كبيرة غنى فيها المطربون والشعراء العرب للثورة ولصدام وللبطولات المجيدة وزيارة اخرى كانت لمتحف يصور الحرب ويعرض الصحف والمؤلفات التي كتبت عنها. اما بقية ايام الزيارة فكانت في اسواق بغداد الشعبية, وتشعرك بقايا السوق القديمة التي لم تصلها الحرب او وقفت عند اطرافها بروعة الزخرفة والمجد والحضارة التي خلفها التاريخ, اما حال السوق من الداخل فيدلك على مأساة الحاضر, فبضائعه قليلة محدودة, واسعارها غالية بل خيالية لاهل بغداد, اتذكر انني سألت عن الموز المعروض, فكانت الحبة الواحدة بدينار! عند المساء افضل مكان يذهب اليه اهل بغداد وزوارها هو شاطىء دجلة, فعلى ضفة النهر تنظر وتسمع صدى الحياة في بغداد فهذه زوجة يتبعها اولادها مشغولة عنهم بالحديث مع زوجها وصوتهم مرتفع بالمطالب والشكوى. وذلك شاب مع رفيقه حديثهم هامس, وتعلم عندما تقترب منهم ان موضوعهم هو الحال الذي هم فيه وكيف يمكن ان يتغير, ومن بعيد تلمح بياض فستان عروسة وعريسها في فرحة التلاقي, وبائع الزهور, وبائع السمك او من يشويه يتواجدون بكثرة وكأنهم جزء من ضروريات المكان. على جانب دجلة هناك وجه المدينة, شارع طويل هو الاشهر في بغداد, ففي الليل تسري الحياة في ابي نواس وهو شارع التسلية والمطاعم والكازينوهات, وعندما زرته اول ليلة انشغلت بالبحث عن تفسير لظاهرة لمحتها في مختلف محلات الشارع وهي تزايد الزجاجات الفارغة على طاولات الجلوس, وعرفت ان في زجاجات (العرق) الفارغة معنى الفحولة والرجولة, ففي نهاية السهرة يحسب كم عدد الزجاجات الفارغة على الطاولة, وأقوى شريب عرق هو بطل الليلة. فشغلتني هواية العد وتفحص وجوه المرتادين كم تحمل من جبروت وعناد وايضا هموم واحزان! وصادف ان حل يوم الجمعة ضمن ايام الزيارة, فذهبنا الى احد المساجد الاثرية لسماع الخطبة, كان صوت الخطيب قويا, اما موضوعه فكان موعظة اكثر من حديث عن شؤون الساعة والناس, ولكن في المصلين من تأثر وظل يبكي وينتحب طوال الخطبة, ولم اشاهد من قبل او بعد عويل وبكاء بهذه الصورة. في اليوم الاخير للزيارة, خيرني الزميل في البقاء معه والخروج من بغداد الى مواقع هامة متناثرة في اجزاء الجمهورية, لكنني اثرت العودة. في صالة المغادرين بمطار بغداد, وقفت عند آخر شباك ليطبع لي ختم الخروج, طالبني برسم المغادرة وكان خمسة او عشرة دنانير اخبرته انني لا احمل الدنانير ومعي بطاقة الائتمان ودراهم, اصر ولم تشفع لي دعوة الزيارة الرسمية, فعدت ابحث عن صراف في اول المبنى, وناولته خمسمائة درهم, طلبت منه قيمة الضريبة, وسلمني ما تبقى بالدينار فلا خيار غيره. ما عدت به من دنانير لم يساوي عند الصراف في مطار ابوظبي اكثر من خمسين درهما, فضلت ان احتفظ بدنانير العراق للذكرى. هذا حال بغداد في 89 وهي مقبلة على ثورة اصلاح وتعمير وحياة جديدة. كيف حالها اليوم, كيف حال عرسانها الذين كنا نسمع ابواق سياراتهم وزفتهم في الليل والنهار واينما ذهبنا طوال فترة الزيارة. هل انجبوا اطفالا؟ فكيف حال اطفالهم, هل مازالوا احياء؟! رحم الله اطفالهم.. فما اطول ليل اهل بغداد!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات