في بداياته نال جائزة (كليست) لافضل واصغر كاتب دراما: 100 عام على ولادة برتولت بريخت

على مدى عقدين من الزمن بعد موته - الستينات والسبعينات - كان برتولت بريخت اعظم كتاب المسرح تأثيرا في العالم, من خلال ماتركه من مسرحيات خالده دافع فيها بجرأة عن قيم الحق والخير والجمال . ولد برتولت بريخت في العاشر من فبراير العام 1898, في مدينة (أوجسبرج) التي تبعد عن ميونيخ مسافة اربعين ميلا حيث كان بجاحه الاول في بداية العشرينيات, عندما نال جائزة (كليست) عن مسرحيته (سبارتاكوس) التي اعاد تسميتها بـ (طبول في الليل) العام 1922, وكانت هذه الجائزة - كليست - تمنح لأفضل وأصغر كاتب دراما, وهي المسرحية التي احدثت ضجة كبيرة في المانيا, ولفتت الانظار اليه. ثم تتالت النجاحات, ففي العام 1928,واثناء تعاونه مع الموسيقار (كورت فيل) قدم اوبرا (البنات الثلاث) ومنذ اول ليلة عرض لها - في 31 أغسطس من العام نفسه حققت نجاحا ساحقا في المانيا اولا, ثم في كل العالم بعد ذلك. وبحق فقد ابتكر بريخت مسرحا من نوع خاص, عندما استحضر على المسرح ذلك الجو العنيف والخشن, مثل ساحة الالعاب الرياضية العنيفة والمواكب والمظاهرات, وفيما بعد العديد من الابتكارات - المستخدمة حتى اليوم في مسرح الشارع - مثل استخدام المكياج الابيض والهياكل العظمية والنماذج الفللينية للاسلحة والمعدات العسكرية. وفي العام 1937, بدأ بريخت ينتج في تتابع مثير للدهشة اعمالا ذات قيمة فنية عالية, بدءا من مسرحيته (حياة جاليلو) العام 1937, و (محاكمة لوكوللوس) العام 1938, و (سيدة سيتزوان الطيبة) العام 1938, و (الأم الشجاعة) العام 1939. وجدير بالذكر ان الشعر كان يلعب دورا بارزا - كبيرا في- مسرح بريخت , ففرقته المسرحية المعروفة باسم (برليزانسامبل) كثيرا ما كانت تفاجىء الجمهور بين حين وآخر بأغنية ليعودوا بعدها الى التمثيل والاغنية او القصيدة في مسرحه ليست للطرب او المتعة, بل هي تقوم بدور آخر, انها تفسير لما يحدث او تعليق, او تقييم, او اتخاذ موقف مما يحدث او توجيه انظار المشاهدين الى نقطة معينة, وقد تكون الاغنية أحيانا بمثابة عنوان للفصل او مدخل الى المسرحية كما في مسرحيته (السيد بونتلا وتابعه ماتي) : جمهورنا الكريم الكفاح شاق ولكن الحاضر يبشر بالخير من لم يتعلم كيف يضحك فلن يصفو له بال. فله عدد كبير من المسرحيات مكتوبة شعرا بكاملها, بالاضافة الى قصائد واشعار مجموعة في ستة مجلدات, وهناك مجلدان عن الادب والشعر, نجد الكثير من المقالات التي يحدد بريخت فيها موقفه من الشعر والاغاني حيث يقول : (ان مرحلة الانطباعية والتعبيرية قد خلفت شعرا كل محتواه صور جميلة, وكلمات عطرة ... وفيما عدا هذه الحالات الخاصة, فان الانتاج الشعري الخالص النقي غالبا مايبالغ في تقييمه , فهو يبتعد كثيرا عن الهدف الاصلي للشعر) , وفي مقال حول (فائدة وجمال الشعر) يقول : (ان الشعر الذي قد يثير مشاعر اغلب الناس ليس من الضروري ان يكون هو اجود الشعر ... وما يردده الشعب من اشعار في اغانيه ليس دائما اغاني شعبية .. ان التفاعل مع الشعر والتجاوب معه قد نجدهما يحدثان مع ارقى انواع الشعر ومع ادناها, مع الاغنية الشعبية ومع الملحمة , مع طقطوقة الاوبريت وقصيدة عيد ميلاد) . وايضا يقول : (لكي نفهم الشعر الجيد يجب ان نقرأه مرارا ونجزىء محتويات القصيدة, ونحللها الى صورها لكي نكتشف معانيها) . كل هذه الآراء حول الشعر ليست فيها غرابة - وكذلك مسرحياته - لكن الغرابة تكمن في هذه الحادثة : عندما طلب منه ذات يوم ان يكون حكما في مسابقة شعرية, اشترك فيها اربعمائه شاعر, من كافة انحاء المانيا, فتجاهل اربعمائة قصيدة, واختار للجائزة قصيدة كان قد قرأها في مجلة لرياضة الدراجات. مات برتولت بريخت بالسكتة القلبية في الرابع عشر من أغسطس للعام 1956, فدفن بصمت, تنفيذا لوصيته, بالقرب من قبر الفيلسوف هيجل وقد تمنى بريخت دائما ان يغير العالم, فاعماله ما تزال تساهم في هذا السبيل من خلال تقديمها على خشبات مسارح العالم - وبجميع اللغات - لا تزال كلماته مسموعة حتى يومنا هذا.

تعليقات

تعليقات