استراحة البيان: وسرقوا تسع سنين من عمر الدنيا :بقلم - محفوظ عبدالرحمن

منذ أن وعيت على الحياة وأنا أواجه القرن العشرين فلقد كان الناس فخورين جداً بانتمائهم إلى هذا القرن الذي يمثل عصر السرعة, كما كان يقال, والذي حوى معظم الاختراعات الهامة. وأيضاً هو القرن الذي ارتبط بأول حربين عالميين. الأولى كانت في بداية القرن (1914 ــ 1918) والثانية في نهاية نصفه الأول (1939 ــ 1945) والحروب كما نعرف تخريب وتدمير, لكنها أيضاً اكتشاف لما يفيد في هذه الحروب من الاتصالات اللاسلكية والصواريخ والطاقة وكان أحدنا يقول للآخر لائماً: يا أخي ألا تعيش في القرن العشرين على اعتبار انه زمن غير أي زمن مضى؟ وهكذا قدر في أذهاننا أن القرن العشرين هو غاية المنى. وانه ليس له ما بعده. أو على الأقل ظننا انه لا علاقة لنا بما بعده. لقد حسبنا مقاس السن ــ أو حتى لم نحسبه ــ وأدركنا اننا لن نستطيع للأسف الوصول إلى نهاية القرن. ولكن ها هو القرن انتهى ونحن موجودين فيه! ومنذ سنوات عديدة قلت لأفراد الأسرة في لحظة صفاء انني ادعوهم للاحتفال في باريس في 31 ديسمبر 1999 للاحتفال بآخر ليلة في القرن العشرين حيث يمضي ظلام الليلة ويشرق على مدينة النور ــ المظلمة بمحاكمة جارودي ــ أول ضوء في أول يوم من أيام القرن الجديد. ولم تكن الدعوة (عزومة مراكبية) . قيل ان المراكب عندما كانت تسير في النيل شمالاً وجنوباً كانت تقترب في معظم الأوقات من الشاطئ, فيتبادل (المراكبية) الحديث مع الفلاحين في القرى. ومن عادات هؤلاء جميعاً أن يقسموا أن (تتفضل) عندهم! ولكن هذه الدعوة كانت شبه مستحيلة, فالفلاح لا يستطيع أن يعبر الماء إلى المركب, والمراكبي لا يستطيع تعديل مساره ليجالس شخصاً لا يعرفه. ولذلك كانت الدعوات من الطرفين مجرد أداء واجب. وأنا لا أحب عزومة المراكبية, ولذلك عندما دعوت من دعوتهم كنت مستعداً تماماً لهذه الدعوة. وفي الوقت نفسه كنت متأكداً انني لن أعيش حتى هذا اليوم. فأنا ابن القرن العشرين ولن أستطيع الخروج منه. وقبل 31 ديسمبر الذي حددناه لابد أن يختم الإنسان علاقته مع هذا العام بما فيه من خير ومن شر. لكن لا أحد يعرف متى يكون موعده. ولما كان الإنسان اللبيب ــ ولا بد ان نكون هكذا ــ يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً. فعلينا أن نستعد لدخول القرن الحادي والعشرين. وما أبسط الكلمات.. لكن ما أصعب ترجمتها. ها نحن أمة بكاملها لا تستطيع الاستعداد للدخول إلى هذا القرن رغم كل ما تمتلكه من امكانات, ومن أجهزة قادرة على التخطيط, ومن ضمير يوجب عليها أن تعمل لمصلحة مواطنيها. فالوحدة أصبحت رابعة الأثافي. وكان جوبلز يقول: عندما أسمع كلمة (ثقافة) أتحسس مسدسي! والآن كل (الجوبلزات) . العرب يتحسسون مسدساتهم عندما يسمعون كلمة وحدة. والأوروبيون أقاموا السوق الأوروبية المشتركة. وبلغوا القمة في الاقتصاد والصناعة. ولقد راقبت اليونان التي كانت من بلاد العالم الثالث وكيف تحولت إلى دولة أوروبية فعلاً. الفرق كبير بينها قبل دخول السوق وبعده ولذلك أتفهم لماذا تركع تركيا أمام (السوق) لتحصل على بطاقة عضوية. وأرجو ألا تخرج تركيا من هذه التجربة ببطاقة (ركوع) بدلاً من بطاقة العضوية. وليست الوحدة القضية الأولى ولا الأخيرة. فنحن نتعرف على أية قضية ونضع الحلول لها. ثم نتبع عكس الحلول. والحمد لله اننا لم نتطلع إلى عالم الفضاء. لاننا لو أردنا إرسال مركبة إلى القمة فلا بد أن تصل إلى زحل. أما إذا أردناها أن تصل إلى زحل فلربما وصلت إلى الزهرة. ومن يدري ربما لم تصل إلى أي مكان. وما زلنا نستخدم في كل لحظة مصطلحات من قواميس جاهلية ننافس بها مصطلحات أبي جهل وأبي لهب وأبرهة الأشرم. وفوق ذلك كله وقبل ذلك كله نحن غير قادرين على التحاور. الديمقراطية غائبة تماماً. حقاً انها أكذوبة في مجتمع الغرب. لكنها غاية الناس. وبعضهم قادرون على التعامل معها. أما نحن فنرى فلاناً أكفأ الناس, ولكن بمجرد أن نختلف معه نراه لا يملك أي قدر من الكفاءة. ما الذي يمنع أن نختلف مع شخص نقول عنه انه عبقري لكننا نرى أنه ثقيل الظل! المهم انني رأيت المحنة العرباوية في دخول القرن المقبل لا تقل عن محنتي في دخول هذا القرن. وكنت أجد نفسي من الشياه الضالة, وانني من الأقلية. لكن بمجرد ان تأملت الموقف أدركت اننا جميعاً لا نستطيع أن ندخل القرن المقبل بثقة ولا أقول بفخر ونحن أمة الفخر. وظللت أحمل المأساة في داخلي حتى جاء الحل. برقت الفكرة في ذهني كما تبرق الأفكار العبقرية. وقبل أن أقدم إلى الأمة العربية اقتراحي المذهل لحل أزمة دخول القرن الحادي والعشرين, أؤكد أن الفكرة محفوظة للعبد لله, وانه غير مسموح بتداولها في أي مجال من مجالات الإعلام. وأنا لا أريد أن أحرم الأمة من الفكرة الجميلة. لا والله. ولا أريد أن استثمر الفكرة في مشروع تجاري يعود علي بالخير, لا والله. الأمر لا يتعدى كونها الفكرة العبقرية الوحيدة التي طرأت لي. وأنا أريد أن تنسب إلي. فمن يدري قد يمضي العمر قبل أن تأتي فكرة عبقرية أخرى! ولتكن صبوراً معي وأنا أشرح الفكرة لك. فالأفكار العبقرية تحتاج لشيء من التركيز وقدر من الاهتمام, وبعض المقدمات. التاريخ الميلادي موضوع كما تعرف في وقت متأخر وهو منسوب إلى مولد يسوع المسيح وهو غير محدد بالضبط تاريخياً فالتاريخ اللاهوتي المسيحي بدأ تدوينه بعد مرور أكثر من قرن ونصف من زمن سيدنا عيسى. وبالتالي فهناك فروق في تحديد سنة الميلاد. والعلماء ورجال الدين والمؤرخون مختلفون على توقيت الميلاد. وفي الثلاثينات قامت ضجة كبيرة عندما قدم أحد العلماء من المبررات ما يجعله يؤكد أن المسيح ولد في عام 3 ميلادية, والأمر يبدو مغالطة تحتاج لعلامات تعجب. ولكن المسألة معناها أن صانع التقويم الجريجوري الذي نستخدمه اليوم أخطأ فقال ان المسيح ولد قبل موعد ولادته بثلاث سنوات. وهكذا كان الخلاف الذي ما زال مستمراً حتى الآن حيث نرى مؤرخاً كبيراً مثل ول ديورانت يكتب فصلاً في موسوعته الكبيرة (قصة الحضارة) عن المسيح فيحدد أنه ولد في عام 9 ميلادية. وحسب متوسط الخلافات نحن فعلاً تركنا القرن العشرين, ربما الخطأ ثلاثة أعوام وربما تسعة. ولكننا على أي حال تركناه. ومعنى هذا اننا الآن في القرن الحادي والعشرين. قد نكون في عام 2001 أو 2007 لكننا في القرن الحادي والعشرين. وهذه نظرتي التي أرجو أن تنتسب إلي كما تنتسب إلى نيوتن نظرية الجاذبية وإلى انيشتين نظرية النسبية. صدقوا اننا ولجنا القرن الحادي والعشرين دون ألم ودون مخاض. بل ودون أن نعرف. وهكذا لم يسألنا أحد هل أعددتم أنفسكم للقرن الجديد. أو يسألنا آخر: ماذا أعددتم للقرن الجديد. نحن كما نحن. أتينا من القرون الماضية وندخل القرن المقبل مماليك وعثمانيين! ولا جناح علينا فنحن لم نكن نعرف اننا الآن فعلاً في القرن الحادي والعشرين. وكذلك هم أيضاً.. دخلوا القرن الجديد خلسة. حقاً انهم يعلمون وأنهم أعداء أنفسهم. ولكن المهم أن شيئا لم يتغير. فهم طوال القرن العشرين يعدون لما بعده, ونحن طوال القرن العشرين نحاول أن نعيش فيما قبله. وبإضافة بضع سنوات يكون كل منا قد حصل على ما يريد. هم حصلوا على التقدم. ونحن حصلنا على التخلف. وأمجاد يا عرب أمجاد. ولو أعجبتكم نظريتي العبقرية هذه سأكون أسعد الناس, ليس فقط لأنني سأكون صاحب نظرية علمية هامة, بل أيضا لانني أفلت من القرن العشرين بسلام. اما إذا لقيت نظريتي سوء الحظ, فأنا أفكر في أن أرفع قضية باسم البشرية التي سرقوا تسعة أعوام من عمرها!

تعليقات

تعليقات