استراحة البيان:يكتبها اليوم - محمد المر - البيان

استراحة البيان:يكتبها اليوم - محمد المر

انطلقنا من مدينة نزوى إلى جبرين لمشاهدة حصنها وقلعتها الشهيرة. وصلنا هنالك في الساعة العاشرة صباحاً, من الطريق يظهر حصن جبرين بطابعه الجميل الذي شبهه الباحث الأمريكي (والتر دينتمان) بقصر من قصور عصر النهضة الجميلة في أوروبا. وقال عنه انه أجمل حصن في عُمان وهو فريد بحجمه الضخم ويتسم بالفخامة والصلابة ويرمز لهيمنة وهيبة الحكم. أشجار النخيل وباقي المزروعات تحيط بالحصن. أوقفنا السيارات في شرق الحصن الكبير ومشينا إلى بوابته شاهدنا مجموعة من الشباب جالسة في حلقة أمام الشجرة الباسقة التي أمام المدخل الخارجي. في السماء سحب متفرقة. السور الخارجي مرمم بشكل ممتاز رحب بنا الحارس بابتسامة عفوية. وصف الحصن كما ذكره الكتاب القيم في مضمونه وطباعته وإخراجه والمعنون (القلاع والحصون في عُمان) والذي صدر عن قسم الدراسات في مكتب نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء العُماني عام 1994 هو كالتالي: (حصن جبرين هو عبارة عن بناء كبير ومستطيل الشكل ويبلغ طوله حوالي 34م وعرضه 22م وأركانه موزعة في الجهات الأربع ويضم حصني مدفعية دائريين كبيرين يبلغ قطر كل منهما حوالي 12م في الركنين الشمالي والجنوبي. ويشغل المبنى بأكمله الركن الشمالي في منطقة واسعة يحيط بها سور من الطوب الطيني بارتفاع 3ــ4م ويضم برجي دفاع دائريين وبوابة في الركن الشرقي) ويقع المدخل في منتصف الواجهة الشرقية وهنالك برج فيه فتحات يصب فيها الخل المغلي على المغيرين على الحصن ويقول (والتر دينتمان) إن الحصن بني على بناء سابق ويفصل كتاب القلاع والحصون الموضوع فيذكر التالي: (يتبين من الاختلافات في مستوى الأرضية وأساليب بنائها في المبنى الرئيسي أنه يتألف من جزأين منفصلين تم بناؤهما في فترتين مختلفتين. ويرجح أن الركن الجنوبي الغربي يمثل مرحلة البناء الأقدم حيث يحل محل حصن جبرين الأصلي, أما الفناء الجنوبي والبرج والمدخل التي تصل بين المبنيين فتقع في أماكن منفصلة من الناحية الإنشائية من كلا المبنيين مما يدل على أنها تمثل مرحلة بناء ثالثة. ويحتمل أن أبراج المدفعية أضيفت في نفس وقت المرحلة الثالثة أو بعدها بفترة وجيزة وكانت المرحلة النهائية هي إضافة المتاريس ذات الفتحات للمدفعية) . وقد أنهى هذه المراحل الإمام اليعربي بلعرب بن سلطان والتاريخ الوحيد لبناء الحصن موجود عند رأس الدرج القريب من قبر ذلك الإمام هو 1086 أي 1675م. وقد ارتبط تاريخ الحصن الجميل بالتاريخ الدامي لذلك القائد العُماني الكبير وخصوصاً بنهايته التراجيدية. حكم هذا القائد العُماني من عام 1680 إلى عام 1692م. وعرف بالكرم والسيرة الحسنة وأدخل العمران إلى واحة جبرين وأصلح فلجها وبنى حصن جبرين مهتماً اهتماماً كبيراً بكل مراحل البناء حيث ركز على تحصيناته العسكرية وهندسته المعمارية وزخرفته الفنية. ونقل العاصمة من نزوى إلى جبرين حيث اتخذها مقراً ومركزاً لإقامته ودولته. واهتم بالتعليم حيث أنشأ في الحصن مدرسة للعلوم الدينية الشائعة في عصره وبلاده. ويقول شاعر عُماني معاصر هو هلال بن بدر بن سيف بن سليمان البوسعيدي في قصيدة مادحاً فيها جبرين وقصرها: يا نسمة من ربى جبرين مسراها وأنعشتني وما بالقلب من وطر في ظل قصرك يا جبرين مرتعهاً من لي بجبرين أم من لي بدوحتها ملء الفؤاد وملء العين موقعها يومي بقصرك يا جبرين قد قصرت أقلب الطرف في أشكال هندسة يا قصر حدث وفي التاريخ مفخرة قومي بنوك وليست كف عارية ما أنت يا قصر إلا آية بهرت أهدت لقلبي ذكرى لست أنساها إلا عهوداً أناجيها وارعاها وتحت دوحتك الشماء مأواها من لي بساحتها, من لي برياها وفي ضميري أنى سرت أرعاها ساعاته ودقيق الفن أفناها وأستعين خيالي في خباياها وقد خبرتك مزهواً وتياها تفننت فيك واستوحت خفاياها تكفل الدهر في إيضاح معناها ويذكر السالمي في تحفة الأعيان أن من أسباب حماسة الإمام بلعرب بن سلطان للتعليم هو قدوم رجل من أهل جربة في الشمال الأفريقي يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي الأباضي المغربي والذي سر من الذي رآه من أحوال عُمان ولكنه رأى مجالس العلم فيها قليلة فكتب للإمام رسالة ينصحه فيها لكي يحث الرعية على طلب العلم وتقويم المجالس وعمارة المدارس مقارناً بين ازدهار العلم في جربة وضعفه في عُمان وذاكراً عن تطور العلوم الدينية والأدبية في أيام الدولة الرستمية الأباضية السابقة في شمال أفريقيا. ويقول السالمي عن أثر تلك النصيحة المخلصة في نفس الإمام: (وتلقاها الإمام بالقبول والتبجيل فقام وشمر وحث الرعية على طلب العلم وأمر بالتعليم في ممالكه, وجمع جملة من المتعلمين في الحصن الذي جدد بناءه وهو (جبرين) فقيل أنه كان يخدمهم هنالك بنفسه وكان يعطرهم بنفسه وكان يتحرى لهم الأطعمة المقوية للافهام والذكاء فيقال انه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالماً كلهم أهل اجتهاد وأهل إفتاء الرأي) . ومن أولئك العلماء الشيخ خلف بن سنان الغافري والشيخ سعيد بن محمد بن عبيدان ويذكر ابن زريق في كتابه (الشعاع) أن ابن عبيدان كان رجلاً أكولاً ففرض الإمام له في كل يوم جدياً ومورة أرز ليأكل ما يقدر عليه من اللحم والأرز!!. ويقول انه عندما امتدح ابن عبيدان بساطاً من صوف جسه بيده لأنه كان ضريراً في غرفة الإمام بلعرب أمر الإمام بإرساله إليه في مدينة نزوى ولما قال له في إحدى المرات إنه لم يذق تمر الباطنة أمر عامله في الديل بإرساله له. أما الشاعر الضرير راشد بن خميس الحبسي الذي ولد في قرية (عين بني صارخ) في الظاهرة فقد انتقل وهو صغير إلى جبرين فرباه الإمام بلعرب وأحسن إليه وتعلم في ظله القرآن والنحو والصرف واللغة وهنالك تفتحت مواهبه الشعرية وإبداعه الأدبي وخلف ديواناً من الشعر ويذكر السالمي في كتابه تحفة الأعيان قصة لطيفة ذكرها شارح ديوان الحبسي ونذكرها للقراء الكرام لطرافتها: (جن بقرية السر من عُمان رجل يسمى راجحاً بامرأة عشقها تسمى بشارة بنت سنان فبهت راجح بجمالها وكان صحيح العقل, فبقى حائراً متبلداً من شدة حبها وحسنها فلم يدركها, فتعلق بحبها وهام حتى لم يذكر سواها, فخرج بسبب ذلك مجنوناً تضرب به الأمثال وتكثر في أخباره الأقوال, ومن صفة بعض ذلك أنه صار لا يرى امرأة غريبة في البلد إلا وتبعها وجعل يحوم دونها كالكلب الجائع دون الفريسة لظنه أنها هي, وصار يهذي بها ويزعم أن الملك براً وبحراً لها وصار يسأله عنها كل متهكم ومازح ويقول له: هل من خبر عن بشارة يا راجح؟ فيقول لهم فتحت البلد الفلاني والحصن الفلاني, وقد غارت على العجم والإفرنج وغيرهم وسلبتهم ملكهم فيقولون له: هذا الملك لك أم لها؟ فيقول هو لي لا لها, وإنما هي تأخذه لي بجيوشها العظام وأنا مستريح, فيقولون له مع ذلك: وكيف حال إمام المسلمين وعسكره مع هذه الحال؟ فيقول: هو وزير من وزرائها وأنا الذي عقدت عليه الوزارة لها, وعسكره هم عسكرها وكان كثير الضحك لا يطيش كسائر المجانين ولا يؤذي أحداً, بل إنه مشتغل بما هو به من هذه الحادثة ويدور في سكك البلاد ليلاً ونهاراً. وكان لا يمر عليه الشاعر الحبسي إلا ويعاتبه ويسأله الوصول إليها وجمع الشمل بينه وبينها فيجيبه بما يطيب نفسه من الكلام الحسن اللطيف إلى أن أشار عليه بعض المتهكمين عليه المستهزئين به أن يسأل هذا الشاعر نظم أبيات فيها فسأله ذلك فأجابه, فنظم فيها هذه الأبيات وقرأها عليه بأحسن الأسجاع, ففرح من ذلك فرحاً عظيماً حتى كاد أن يطير من شدة الفرح بها فتعلمها منه وحفظها وصار ينشدها في سكك البلد وأسواقها ليلاً ونهاراً ويصفق بيديه ويرقص برجليه, والأبيات هي هذه من البحر الخفيف: سمحت لي الدنيا ببنت سنان ذات فرع وذات وجه منير لم تجد في زماننا من يباهي سلبت راجحاً بطرف كحيل تركته متيم العقل لكن ذات قد يميس كالخيزران وخدود محمرة الأوجان هذه الخدود في نواحي عُمان فهو منه مغير العقل ضان صيرت عقله إلى النقصان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات