استراحة البيان : الزعيم محمد عبد الناصر:يكتبها اليوم - محمد الخولي - البيان

استراحة البيان : الزعيم محمد عبد الناصر:يكتبها اليوم - محمد الخولي

(متولي عبد الصمد) شخصية محورية في ثلاثية (بين القصرين) لسيد الرواية العربية نجيب محفوظ - قد لا تظهر الشخصية في مشاهد كثيرة في (بين القصرين) او (قصر الشوق) او (السكرية) ولكنك تشعر دائما ان (متولي عبد الصمد) موجود باستمرار بين السطور, عند زوايا الحواري والازقة المفعمة بالاسرار في احياء الحجالية او الصنارقية او بين الصورين. وانت تقرأ مطالع الثلاثية فتشعر وتدرك ان (متولي عبد الصمد) كان موجودا قبل مولد ابطالها - السيد احمد عبد الجواد ورفاقه وتدور الشخصية مع دوران الاحداث عبر ثلاثين عاما تقل او تزيد فاذا ببطل الرواية السيد عبد الجواد نفسه يرحل الى دار البقاء, واذا بكهل فان, طاعن في السن يسأل عن اسم الراحل في موكب الجنازة, وحين يهمسون بالاسم, لا يتعرف الرجل العجوز على شيء, فقد اصبحت ذاكرته جزءا من التاريخ ... وهذا هو ايضا متولي عبد الصمد الذي توقفت منذ سنوات عن دلالة اسمه هذا - فضلا عن دلالة اسماء الابطال الآخرين في اعمال العم الكبير نجيب ويومها نشرت موضوعا بعنوان (شعر الرواية عند نجيب محفوظ واذكر انني قلت ان متولي عبد الصمد يكاد يقف في الثلاثية رمزا للزمن, للدهر القديم الذي لا نعرف من اين بدأ, ولا كيف تصير نهايته. وكيف لا يستوقف القارىء, متذوقا كان او دراسا ان الاسم الاول لتلك الشخصية الغريبة هو (متولى ويفيد بداهة معنى الفوات والانقضاء مع توالي الايام وكر الليالي ووجيب ايقاع الزمن, ناهيك ان هذا الـ (متولى) هو ايضا (عبد الصمد) - عبد الذي لا يتولى ولا تنقضي له كينونة بل هو قديم ازلي سرمدى .. وكل متول فان ويبقى وجهه - تعالى - ذو الجلال والاكرام. ولا اكتمك .. فكلما جالت بخاطري صورة (متولي عبد الصمد) استدعت الذاكرة صورة (خالي سليمان) وقد كان كلاهما شاهدا وايضا سابقا على عصر بأكمله. وبصراحة اكثر فلم يكن (سليمان) خالي بالضبط وكل ما في الامر ان فتحنا اعيننا فاذا بنا جميعا نسميه (خالي ... سليمان) ويشاركنا في هذا النداء كثرة كاثرة من افراد ارومتنا التي كانت تعيش او بالادق تتعيش بين السيدة زينب في القاهرة وبين قرية منسية وادعة وسط دلتا النيل. بهذا المعنى كان خالي سليمان خالا عموميا او هو الخال - الرمز او الخال - الفكرة والتجسيد بلغة الحنجوري على رأى صديقنا عمدة الساخرين محمود السعدني. وبالمناسبة كانت هذه العمومية شيمة من شيم القرية ولعلها موروثة من ايام العشيرة والقبيلة ... فكل من في القرية اقرباء وكل من يكبرك في السن يستحق لقب العم في حين تستحق السيدة التي تفوقك في العمر لقب (خالة) هذا اذا اعترفت من جانبها طبعا بحكاية هذا التفوق العمري. وربما عمد اخواننا في جنوب السودان الى ان مضوا بهذه المسألة اشواطا ابعد, يهاجر الواحد منهم الى الشمال بحثا عن العمل ويختار لنفسه اسما على هواه ... وعندما ينضم اليه وافد جديد من ابناء الجنوب ... يقدمه من بعد الى الناس على انه اخوه وقد يخلع عليه نفس اسمه ولك ان تتخيل مدى الارتباك الذي يحدثه هذا السخاء الحاتمي في اصطناع روابط الاخوة وفي تشابك وتكرار الاسماء حيث كل وافد من غابات الجنوب او مديريات - ولايات - اعالي النيل يحمل اوتوماتيكيا لقب الاخ او ابن العم ويحمل بالتالي ماقد يعجبه من كنى ومسميات قد يغيرها حسب مزاجه في غضون أشهر او اسابيع ... بغير لوم عليه او تثريب. وقد لا تكون بهذا في السودان او في مصر, بدعا بين خلق الله. فالامريكان مثلا يرمزون الى بلادهم بشخصية (العم سام) . والسبب في اشتعال حربهم الاهلية (ستينات القرن الماضي) ان رئيسهم وقتها ابراهام لنكولن قرأ رواية بعنوان (كوخ .. العم توم) فانتابه الغم الشديد على حال هذا العم المستعبد المقهور .. وقرر المناداة بتحرير العبيد ...واذا كانت اشهر شخصية في برامج المرأة بالاذاعة المصرية هي شخصية (خالتي بمبه) فان (خالتي جميما) شخصية شهيرة بدورها بالنسبة للامريكان, ولكن في السوبرماركت حيث يلمحون صورتها, سمراء شبة محجبة , طيبة القسمات , مرسومة على قناني الدبس الخفيف الذي يشفف الامريكان بسكبه - لزوم الافطار - على فطائر البانكيك المتهافتة, لعله يكسبها طعما او يضفي عليها بعضا من مذاق ... وهيهات. اما (خالي سليمان) فقد جاء مولده - على الظن - في الربع الاخير من القرن التاسع عشر. ونحن هنا نتبع بالطبع منطق التكهن والترجيح , فلم يكن ثمة سجلات آنذاك ولا يحزنون , بل كان الامر كله مرهونا بحسن النوايا ومرهونا بتساهيل المولى الكريم. وحين بدأت صداقتي الشخصية معه كان ولا شك قد نيف على الخامسة والسبعين. حدثني يوما عن طفولته اذ كان يهتف مع الهاتفين : (الله ينصرك ياعرابي) ثم يدور حافي القدمين, مفرود الثياب ليجمع من دور القرية صنوف المؤن التي يجود بها فقراء الفلاحين واغنياؤهم لتزويد عسكر عرابي باشا الذي حارب الانجليز وجاء انكساره مرارة في حلوق الناس ... ثم اشار الى موقع المعدية وهي المركب الساذج الذي ينقل اهل القرية بين ضفتي النيل وقال: - هنا جاء اللواء ... وعبر البحر يقصد (الترعة) وزار دنشواى .. وكان يقصد (الزعيم) مصطفى كامل ولا ادري لاي حكمة كان عامة الناس من بسطاء الفلاحين يطلقون عليه لقبا مستمدا من اسم جريدته (اللواء) ولعلهم لم يطالعوها يوما من الايام. بعد ذلك يبدأ درس التثقيف السياسي المعاصر باحاديث عن الحاج محمد هترر (الزعيم الالماني النازي ادولف هتلر) وعن باشوات الناحية الذين كانوا يستنكفون ان تخاطب السنتهم السنة الفلاحين, فان ارادوا اصدار اوامرهم فالامر يصدر موجها الى حلق الباب او مزلاج النافذة (!) ثم ينفذه الفلاح. هكذا تمضي اشهر الصيف رائعة قائظة وسريعة .. وقبيل الاياب الى القاهرة .. يكون خالي سليمان قد وصل في مهمته التثقيفية الى عهد الثورة مشيدا بالتحولات التي شهدتها القرية في العصر الجديد .. الوحدة العلاجية المجمعة.. المدرسة الاعدادية .. كف ايدي الخفراء عن اذى عباد الله .. على ان اكبر مأثرة للعهد الجديد عند خالي سليمان كان الرشاح الجديد الذي يزود قريته بالمياه النظيفة ولاول مرة في التاريخ وفي هذا كان يردد في تأثر وعرفان بالجميل : ـ ياسلام.. الله يحميه في كل وقت واذان ـ من ياخالي الراجل الجدع الذي يحكمنا : محمد .. عبد الناصر(!) وما كان لي ان اعلق واصحح اسم الزعيم . لقد مزج مؤرخو الخصوصي بين محمد نجيب اول رئيس لمصر وبين عبد الناصر الذي تحققت معه كل هذه الانجازات. ولا بأس عليه, فقد كان في عهده وعاظ يدعون في خطبة الجمعة لمولانا السلطان العثماني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات