استراحة البيان: رمضان.. خروج على النص: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين - البيان

استراحة البيان: رمضان.. خروج على النص: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

يأتي رمضان حاملا معه خيرات الرحمة والغفران وزواده الفكر والايمان, وبين رمضان ورمضان تتغير امور وتتبدل وجوه ويظل هو ثابتا يأتينا بنفحاته الايمانية ونكهته الروحانية . يأتي رمضان سيد الشهور حاملا قنديله الازلي, فيضيء مساحات لم تطأها اشعاعات الشهور السابقة, فتعمر القلوب وتهدأ النفوس وتتواصل الرحمات وتتعانق الافئدة في حضرته ورحابه, يأتي فيمسح عنا تعب الهرولة واللهاث وراء زينة ماضية, ودنيا فانية, وفي وجوده نستنشق رائحة المغفرة والصفح والتضرع والدعاء والاستجابة. وبين النفحات الروحانية والنسمات الايمانية والألفة والحميمية التي يخلقها هذا الشهر الكريم بإطلالته على المسلمين جميعا تأخذنا الذكريات الى رمضان زمان, وبدايات الصوم والتجربة التي خاضها اغلبنا مع سيد الشهور, فيتذكر احدنا كيف سقط صغيرا عند عتبة الجوع او العطش, ويتذكر آخر كيف واصل رحلة اليوم الاول وانتصر على تعبه, ويتناسى ثالث فشله في احتضانه متعة الاحساس بالآخرين, ومرارة عدم مشاركتهم هذا التعب اللذيذ. هكذا تتوالى الذكريات ويلتصق معها احساس آخر لرمضان الذي عرفناه صغارا, رمضان القديم الذي التصق بالذاكرة ومازال يواصل الحضور في الغياب, رمضان آخر لم تعكره فوضى المحطات التلفزيونية الارضية او الفضائية, ولم تسلبه منا الفوازير او الكاميرا الخفية, ولم تطغ عليه المسلسلات العربية المكررة بممثليها وقصصها ومخرجيها. رمضان الذي نعرفه صغارا كان بسيطا بيومه, ممتدا بساعاته, مثيرا بحكاياته, عامرا بنفحاته, متواصلا بأهله وناسه, متواجدا بحلقاته ونقاشاته وحواراته.. كان رمضان عيدا للصغار, عندما يهل تعمر المائدة وتتواصل ساعات اللعب, وتكثر الالعاب, فيختار الصبية بين اليوريد والدراه وعظيم اللواح وغيرها من الالعاب الرمضانية التي يجد الصغار فيها سلوتهم... فقصص رمضان كثيرة وحكاياته طويلة الا ان رمضان الذي يثبت حضوره الآن اصبح مختلفا او بمعنى آخر اراده البعض دون نفس فألقوا من نصه دور المسحراتي, ذاك الدور الجميل والمثير الذي يتركه في النفس كلما مر بطبلة ماشيا والصغار ملتفون حوله في زفة يومية فلكلورية تضفي نكهة ومتعة لايامه المتساقطة سريعاً. وكأنه يأتي ليذكر ويذهب فعسى الذكرى تنفع المؤمنين. أو كما قال الشاعر: يا أيها الراقد كم ترقد - قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من الليل ولو ساعة - تحظى اذا ماهجع الرقد من نام حتى ينقضي ليله - لم يبلغ المنزل لو يجهد وحتى لا نذهب بعيدا خاصة وانه في رمضان تعمر الموائد وتطيب, فلا تخلو صحيفة او مجلة من زاوية للاكلات الرمضانية, ولا تخلو محطة محلية ارضية كانت او فضائية من برنامج طبخ وتحضير اطباق دسمة يسيل لها لعاب الصائم, فيتمنى لو كان رمضان اثنا عشر شهرا بدلا من شهر بشرط ان تكون ساعات الصيام أربع ساعات كأهل ايسلاندا الذين يصحون مع اشراق الشمس فلا يجدون الا والشمس قد اوشكت على المغيب, اقول حتى لا نذهب بعيدا اترك اطباق اليوم واذكر اطباق زمان التي كان لها وقعا جميلا علينا ونحن صغار فلا يذكر اسم اللقيمات والعسل او الدبس الا وصرخنا بأسم الجوع وواصلنا الصراخ حتى نقضي عليها لقيمة لقيمة, ومثلها الساقو, والفرني, والعصيدة والخمير والمحلى وغيرها من الاكلات الشعبية المحببة التي يكاد لا يعرفها ابناء هذا الجيل. واترك اطباق رمضان لأروي هذه الطرفة التراثية فقد سمعت امرأة في الحديث ان صوم عاشوراء كفارة سنة فصامت الى الظهر ثم افطرت وقالت: يكفيني كفارة ستة أشهر منها شهر رمضان! وجاء رجل الى فقيه فقال: افطرت يوما في رمضان فقال اقض يوما مكانه, قال قضيت واتيت اهلي وقد عملوا مأمونية فسبقتني يدي اليها فأكلت منها, فقال أقضيوما مكانه, قال: قضيت واتيت اهلي وقد عملوا هريسة فسبقتني يدي اليها... فقال ارى ان لاتصوم الا ويدك مغلولة الى عنقك! ونقف هنا عند اللقيمات حتى لا يسيل لعاب القارىء الكريم فيتهمنا بأننا نحرضه على الافطار ونرى ما يحمله التراث العربي من حكايات في الاكل, فقد روي ان ابن قرعة دخل يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه فقال ما بال مولانا ليس يدعوني الى الفوز بأكل الموز, فقال صفه حتى اطعمك منه, فقال ما الذي اصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبداً وعسلاً, اطيب الثمر كأنه مخ الشحم, سهل المقشر, لين المكسر, عذب المطعم بين الطعوم, سلس في الحلقوم, ثم مد يده واكل. وسئل الفضل عمن يترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد, فقال ما للزهد وأكل الخبيص, ليتك تأكل وتتقي الله, ان الله لا يكره ان تأكل الحلال, اذا اتقيت الحرام, انظر كيف برك بوالديك وصلتك للرحم, وكيف عطفك على الجار, وكيف رحمتك للمسلمين وكيف قظمك للغيظ, وكيف عفوك عمن ظلمك, وكيف احسانك الى من اساء اليك, وكيف صبرك واحتمالك للأذى, انت الى احكام هذا احوج من ترك الخبيص. وقالوا اول من سن الضيافة ابراهيم الخليل عليه السلام واول من ثرد الثريد وهشمه هاشم, واول من افطر جيرانه على طعامه في الاسلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو اول من وضع موائده على الطريق. وقال احدهم: اذ المرء وافي منزلا منك قاصدا - قراك وأرمته لديك المسالك فكن باسما في وجهه متهللا - وقل مرحبا اهلا ويوم مبارك وقدم له ما تستطيع من القرى - عجولا ولا تبخل بما هو هالك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات