أضفى كثيراً من الحداثة الموسيقية على الألحان الشرقية

مجدي الحسيني: العندليب احتواني وأم كلثوم سخرتْ مني!

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

«حتى لو كنت غلامًا صغيرًا، يمكنك بموهبتك وتميزك وإصرارك أن تكون كبيرًا بين العمالقة».. ربما تكون هذه هي الحكمة غير المكتوبة التي منهجت مسيرة مجدي الحسيني أشهر عازف أورج عربي، وأوجدتْ له مكانًا بارزًا قبل أن يتم العشرين من عمره بين قمم النغم، وبصحبة عمالقة الغناء العربي مثل أم كلثوم، والعندليب وغيرهما..

وهو بذلك ظاهرة إبداعية نادرة التكرار، فقد أضفى على الألحان الشرقية للعمالقة عبدالوهاب والسنباطي وبليغ حمدي كثيرًا من الحداثة الموسيقية، ما جعله نجمًا مهما فضَّل الابتعاد عن الأضواء، وسيظل مقترنًا بالعندليب عبدالحليم حافظ، الذي قدمه للفرقة الماسية، وعمره لم يتجاوز وقتها 14 عامًا؛ ليعزف بين كتيبة من عمالقة العزف، متميزًا بالإبداع على آلة صعبة، ومعقدة مثل الأورج.بدأ الحسيني رحلته طفلاً يشارك في برامج الأطفال، بعد أن أتقن في بيته ومدرسته العزف على الأورج، فشارك في برنامج «جنة الأطفال» مع الأطفال وقتها: هاني شاكر، صفاء أبو السعود، نورا، وبوسي، الفنانين المشاهير حاليًا، كان ضيف شرف هذه الحلقة من البرنامج العندليب عبدالحليم حافظ، وكانت هذه نقطة البداية لدخوله عالم الاحتراف، فلأول مرة يلتقي العندليب وجها لوجه، ويستكمل الحسيني».فيقول:بعد هذه الحلقة بـ 10 أعوام، أثناء عملي في فرقة اسمها «البلاك كوتس» التقيت بصديقي عازف الجيتار الفنان عمر خورشيد، الذي أخبرني أن عبدالحليم يُجري بروفات على أغاني فيلم «أبي فوق الشجرة»، ويفكر في الاستعانة بآلة الأورج في إحدى أغنياته، وأنه يريد أن يراني، فذهبتُ معه إلى العندليب، وعزفتُ أمامه، وكان يستمع باهتمام وتركيز، ومنذ ذلك اليوم صارت بيننا صداقة كبيرة.

وأصبح حليم شغوفًا بالأورج في معظم أغانيه، وبدلاً من استخدامها في أغنية «أحضان الحبايب» فقط، دخلت أيضًا في العديد من الأغنيات، ومنها «الهوى هوايا»، «جانا الهوى»».

العندليب باختصار

سألناه.. كيف ترى عبدالحليم منذ ذلك الوقت وإلى اليوم؟

بعد عرض الفيلم، وتحقيقه نجاحًا مدويًا، سافرت مع عبدالحليم إلى باريس؛ لإجراء بعض الفحوص الطبية له، وكان معنا الموسيقار بليغ حمدي والشاعر محمد حمزة والمصور فاروق إبراهيم، وقبل عودتنا بيومين رأيتُ «أورج» من موديل حديث كان اسمه «السانتيزر» في أحد محال «الشانزلزيه»؛ حيث كان بإمكان هذا الأورج إصدار صوت معظم الآلات الموسيقية، وأخبرت عبدالحليم الذي تحمَّس لشرائه، حتى أنه قام باسترداد ثمن ساعة يد، كان قد اشتراها أثناء الرحلة..

كان - رحمه الله - مولعًا بشراء الأشياء الثمينة، وعدنا بالأورج، وموقف عبدالحليم يعود إلى فكرة الطموح، ورغبته الجامحة في تطوير نوعية الموسيقى التي يقدمها، حتى أنه كان أكثر مطرب يدفع بسخاء للعازفين، وزاد عدد الفرقة الماسية من 47 إلى أكثر من 100 عازفٍ، ما يخصص وقتًا أطول للبروفات، وهذا هو عبدالحليم باختصار، فهو طاقة فنية هائلة تتحرك على قدمين، ولاأزال أراه على هذه الصورة حتى اليوم.

ما أكبر مشكلة كانت تواجهك في علاقتك بالعندليب؟

المشكلة الوحيدة التي واجهتني هي رفض أعضاء الفرقة ظهوري بجانبهم على المسرح؛ لأنني بالنسبة لهم مجرد «عيل صغير»، فكنت أُسجل معهم في الأستوديو كل أغاني الفرقة لمعظم المطربين والمطربات مثل: وردة، صباح، نجاة، ومحمد قنديل، لكن أول ظهور لي على المسرح كان في أغنية «خليكو شاهدين» .

لفايزة أحمد بفضل ملحنها محمد سلطان، وقد حققت هذه الأغنية نجاحًا كبيرًا، وأصبحتُ معروفًا لدى الجمهور، وتوطدت علاقتي بعبدالحليم أكثر إلى أن أصبحت مقيمًا في منزله أغلب وقت البروفات، وأصبح للأورج مكانة في أغانيه، خاصة المقدمات الموسيقية لأغنيات «نبتدي منين الحكاية، مداح القمر، قارئة الفنجان» وغيرها.

كيف استثمرت شغف الملحنين المصريين بالآلات الغربية؟

كنت محظوظًا بالتنافس الكبير بين عبدالوهاب، وبليغ حمدي في الاستعانة بالآلات الغربية، وكيفية تطويعها في ألحانهما، فكان «الجيتار» مفضلاً لدى عبدالوهاب، واستخدمه ببراعة أدهشت الموسيقيين أنفسهم في أغنيتي «إنت عمري» و«أغدًا ألقاك»، بينما كان «الساكس» عشق بليغ حمدي بفضل العازف الماهر «سمير سرور»، كما دخل «السنباطي» السباق على الرغم من شرقيته.

وذلك باستخدام «البيانو» في مقدمة أغنية «أراك عصي الدمع»؛ حيث تلعب الآلة دورًا دراميًا، لكن بلا شك فإن العازفين على الآلات الغربية استفادوا من هوس ملحنين مجددين أمثال هؤلاء الكبار.

ولمعت أسماؤهم، فمن كان سيسمع بسمير سرور إن لم يعزف مع حليم وسومة ألحان بليغ وعبدالوهاب؟ ومن كان سيسمع أورج مجدي الحسيني لولا طموحات تطوير الموسيقى العربية على أيدي الكبار؟ فأعتقد أننا استفدنا بالصدفة وسط طريق تطوير الموسيقى.

كيف فكر عبدالحليم في إعادة توزيع أغانيه؟

لا شك أن عبدالحليم من أذكى المطربين على الإطلاق، فقد فهم أن وجود ملحنين كبار حتمًا سينقل موسيقانا الشرقية نقلات كبرى، وبالفعل أخذت الموسيقى الشرقية مكانتها بين ثقافات العالم، وصارت منتجًا مرغوبًا فيه، وهذا ما استفاد منه عبدالحليم؛ حيث فكَّر في مسايرة العصر الجديد، وكنا نتحدث كثيرًا حول هذا الاتجاه الذي بدأ يغزو العالم، وبخبرته الموسيقية، ودراسته، ومعرفته المستمرة في الزيادة تعرف إلى ميول الجمهور.

وقدَّم حفلات مع فرقة على شكل «كومبو» أي أوركسترا، يغلب عليها الآلات الكهربائية، ولاقت هذه الحفلات قبولاً من الجمهور، على الرغم من تخوُّف البعض منها، فقد تغير شكل الأغنية العربية، فما يسمى - حاليًا - ب«الأغنية الشبابية» هي إحدى تجليات عبدالحليم حافظ.

مع أم كلثوم

كيف جاء العمل مع أم كلثوم وما علاقتك الشخصية بها؟

جاء التعاون مع أم كلثوم حين دعاني الموسيقار رياض السنباطي لمقابلته عن طريق ابنه أحمد، فذهبت إليه في أستوديو 35 بالإذاعة، وكانت أم كلثوم جالسة بالقرب منه، ولم أكن أعرفها بعد، وكاد الموضوع أن يفشل بأكمله؛ بسبب سخريتها من صغر سني، وأوشكت أن أرد عليها باندفاع الشباب لولا تدخل السنباطي بشخصيته القوية.

وطلب مني أن أعزف، فانتابني التوتر، حتى هداني الله إلى عزف جزء من أغنيتها «ودارت الأيام»، وانصرفت، بعدها بأيام بدأنا العمل في بروفات أغنية «أقبل الليل»، وجاء الصدام الثاني حين رفضت أم كلثوم أن أعزف على المسرح وأنا واقف، وجاءت أغنية «من أجل عينيك».

وقد لاحظ السنباطي بخبرته أنني لا أعزف بحرية وأنا جالس، حسب رغبة أم كلثوم، فقام بوضع «صولو الأورج» بحيلة لحنية تبعدني عن الربع «التون» في مقام «السيكا»، من دون الخروج عن التصور العام للحن، وهذه المقدمة من أقرب المقطوعات إلى نفسي، كما بذل السنباطي مجهودًا كبيرًا لإقناع أم كلثوم بأن أعزف واقفًا، والطريف أن «عمر خورشيد» .

من جهة أخرى كان قد طلب الشيء نفسه، فما كان منها إلا أن صرخت في وجهي، فكانت شخصية قوية، لكنها موهبة فذة لا تتكرر، وكان كل من يتعامل معها يعاني من قوة شخصيتها، لكنها في النهاية أم كلثوم.

هل تغيَّر أسلوب حياتك بين عصرين موسيقيين عشتهما؟

أعيش في عُزلة عن كل ما يحدث في الموسيقى حاليًا، فلاأزال أحيا في عالم ذكرياتي، أعيش مع أنغام أغاني عبدالحليم، فهو دائمًا معي، ولا أفكر - حاليًا - في كتابة مذكراتي، فأعتقد أنه ليس فيها ما يُغري دور النشر، أو القنوات الفضائية، فحياتي أعيشها من أجل الموسيقى التي أتوحد معها، كذلك أجد حب الجمهور في كل لحظة وهم يستمتعون بعزفي لهم.

عودة الفرق الموسيقية

وما تقييمك للمشهد الموسيقي والغنائي حاليًا؟

ما يعجبني - حاليًا - هو عودة ثقافة الفرق في الأعوام الأخيرة، ففي ستينيات القرن الفائت، كانت هناك فرقتان هما «البلاك كوتس» أو «المعاطف السوداء»، والتي كنت أنتمي إليها، وكانت تؤدي الأغاني الإنجليزية لمشاهير الغناء وقتها مثل «البيتل»، و«جيمي هانريكس»، والثانية فرقة «القطط الصغيرة».

وكانت تؤدي الأغاني الفرنسية، وكانت الحفلات تُقام في النوادي مثل «سبورتنج»، و«حدائق المنتزة»، وكان للفرقتين شعبية جارفة في أوساط الشباب؛ حيث كانوا يتهافتون على أعضاء الفرقتين لدرجة الهوس، حتى إننا كنا نتحرك بمصاحبة سيارات الشرطة، ومن هاتين الفرقتين خرجت أسماء لامعة.

الحسيني في سطور

أشهر عازف أورج عربي، وأحد أسرع عشرة عازفين في العالم باعتراف موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية، مصري الجنسية، من أصول سورية، ولد في العام 1960، عُرف بترحاله الدائم بين مختلف المدن العربية، الأوربية، والأمريكية، يُقدم عروضه المبهرة، حاصدًا تصفيق وإعجاب الجماهير.

كان للموسيقى الخليجية نصيب من إبداعه؛ حيث أعاد توزيع عدة أغان للمطرب «محمد عبده»، مثل: «ليلة، يا صاحبي، مركب الهند»، وللراحل «طلال مداح» مثل: أغنية «مقادير»، انضم للعمل مع عبدالحليم حافظ، ورافقه حتى وفاته المنية العام 1977، كما عزف مع كوكب الشرق في عدة حفلات، وهو لم يتجاوز عامه السادس عشر، كما أسس فرقة «توست شو».

طباعة Email