كريس جايلز
شهد الأسبوع الماضي تباطؤاً في معدلات التضخم في الولايات المتحدة خلال شهر أبريل، إلا أن هذه الأرقام لم تلقَ اهتماماً يُذكر، إذ تركزت الأنظار على مؤشرات تُنذر بموجة تضخم قادمة.
في هذا السياق، برز سؤال ملح يشغل قادة الأعمال والمستوردين والأكاديميين والمسؤولين الحكوميين: من سيتحمل فعلياً فاتورة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب؟ وبما أن هذا السؤال يحمل أبعاداً نظرية وعملية في آن معاً، فلنلقِ نظرة على الأدلة الأولية المتاحة حتى الآن.
- الأعمال: مهما تعددت النماذج والنظريات المعقدة التي يطرحها الاقتصاديون، تبقى الشركات اللاعب الرئيس في ميدان تغير الأسعار، الأمر الذي يجعل استطلاع رأيها خطوة ضرورية لفهم تداعيات الرسوم الجمركية على المشهد الاقتصادي الأمريكي.
وفي هذا السياق، أكد دوغ ماكميلون، الرئيس التنفيذي لشركة وولمارت - أكبر سلسلة متاجر تجزئة في العالم - استحالة تفادي تأثيرات الرسوم الجمركية المرتفعة، حيث قال: «سنبذل قصارى جهدنا للحفاظ على أسعارنا منخفضة قدر الإمكان، لكن بالنظر إلى حجم الرسوم الجمركية، حتى بالمستويات المخفضة المعلنة مؤخراً، لن نتمكن من امتصاص كل الضغوط.. ويعني ذلك أن الرسوم الجمركية المرتفعة ستؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار».
وقد أثارت هذه التصريحات غضباً عارماً لدى الرئيس ترامب، دفعه لشن هجوم حاد عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ طالب وولمارت بـ«التوقف عن محاولة إلقاء اللوم على الرسوم الجمركية لتبرير رفع الأسعار»، موجهاً لها أمراً صريحاً بـ«ابتلاع الرسوم الجمركية»، ومتوعداً بعبارة مقتضبة: «سأراقب الوضع».
وفي مسعى لاحتواء الأزمة وتخفيف حدة التوتر، ظهر وزير الخزانة سكوت بيسنت لاحقاً ليلطف من لهجة الرئيس، مصرحاً بأن دوغ ماكميلون قد أكد له أن مجموعة التجزئة ستتحمل «بعض الرسوم الجمركية»، وهنا يمكن ملاحظة الدور المحوري الذي تلعبه كلمة «بعض» في إعادة صياغة الموقف وتغيير دلالاته.
وبتجاوز الحالات الفردية للشركات نحو المؤشرات الإحصائية الأوسع، كشف الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا منذ أيام عن أحدث استطلاع أجراه بشأن توجهات التسعير لدى الشركات العاملة في منطقته، حيث أشارت النتائج بوضوح إلى أن غالبية الشركات ترى أنها تواجه ارتفاعاً في تكاليف مستلزماتها، وأنها بدورها باتت تتجه نحو رفع أسعار منتجاتها وخدماتها.
- المصدّرون: إن المصدرين إلى الولايات المتحدة لا يتحملون تكلفة الرسوم الجمركية، فعقب هجومه العنيف على شركة وولمارت، أشار الرئيس ترامب إلى ضرورة أن تستوعب سلسلة التوريد الأمريكية الزيادات في الرسوم الجمركية، وهو ما يمثل تغييراً جذرياً في خطابه السياسي، إذ طالما روّج لفكرة أن المصدّرين إلى السوق الأمريكية سيضطرون لخفض أسعارهم استجابةً للرسوم المرتفعة، ما يعني أن العبء الحقيقي لهذه الضرائب سيقع على كاهل الشركات الأجنبية، غير أن المؤشرات الإحصائية والأدلة الميدانية تكشف عن صورة مغايرة تماماً.
لقد أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، الصادرة الجمعة بشأن مؤشرات أسعار الواردات، ارتفاعاً طفيفاً في أسعار السلع القادمة إلى الموانئ الأمريكية خلال شهر أبريل.
وهذه الأسعار لا تشمل الرسوم الجمركية. وكان من المفترض أن تسجل انخفاضاً ملحوظاً لو كانت الأعباء فعلاً تقع على عاتق المصدّرين الأجانب كما يدّعي الرئيس. غير أن البيانات تكشف خلاف ذلك، إذ توضح أن تكلفة الرسوم تنتقل إلى سلسلة التوريد المحلية، لتنعكس في نهاية المطاف على المستهلك الأمريكي.
وقد يلفت انتباه المحللين المتخصصين تراجع أسعار بعض المنتجات الصينية الواردة إلى المرافئ الأمريكية في أبريل، رغم كونها الفئة الأكثر خضوعاً للرسوم الجمركية المرتفعة.
إلا أن هذه التخفيضات ليست غير معتادة في سياق أنماط واردات الصين، كما أنها غير كافية لتعويض الزيادات في الرسوم الجمركية، وإن كان من المحتمل وجود تأثير محدود لهذه السياسة.
ولا يُظهر تحليل أسعار الواردات الصينية حسب نوعية المنتجات نمطاً واضحاً يشير إلى استجابة المصدّرين للرسوم الجديدة، باستثناء انخفاض بنسبة 5% في أسعار معدات الاتصالات خلال الربع الأول من العام، وهي فئة تشهد عادةً تراجعاً دورياً في الأسعار.
ويُذكر أن هذه المعدات كانت ضمن المنتجات المستثناة من الرسوم الجمركية «المتبادلة» المعلنة في 12 أبريل، ما يجعل من الصعب تماماً تأييد الرأي القائل إن الشركات الأجنبية تتحمّل فعلياً عبء هذه السياسة الجمركية.
- الأوساط الأكاديمية: كشفت الدراسات الأكاديمية حول رسوم 2018 أن الولايات المتحدة تحملت تكلفة هذه السياسة، مع توزع معظم الأعباء على طول سلسلة التوريد الأمريكية. وتدحض أبحاث حديثة صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي المزاعم بأن المستهلكين لم يتأثروا بهذه الرسوم.
وقد طور الباحثون الذين أنجزوا أبرز الدراسات المرجعية حول رسوم 2018 مؤشراً شبه آني لرصد تأثير الرسوم الجمركية على الأسعار المُعلنة، مستندين إلى بيانات مأخوذة مباشرة من مواقع تجار التجزئة.
وحلل فريق البحث أسعار المنتجات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد بلد المنشأ وربطه بمعدلات الرسوم المفروضة. ورغم حداثة المنهجية البحثية، تُظهر البيانات الأولية تأثيراً مباشراً لإعلانات الرسوم الجمركية.
ويؤكد الباحثون وجود تأثيرات «سريعة وإن كانت لا تزال متواضعة نسبياً» على أسعار المستهلكين، وهو ما يُعزى إلى الاستباق الكبير لموجة الرسوم، حيث زادت الشركات وارداتها خلال الربع الأول من العام قبل دخول الرسوم حيز التنفيذ.
والمقلق – وإن لم يكن مفاجئاً – أن تكاليف السلع المستوردة من الصين ترتفع بوتيرة أسرع من غيرها، كما حدث في تجربة 2018، حيث لم تقتصر الزيادات على المنتجات الخاضعة للرسوم مباشرة، بل شملت قطاعات أوسع من السلع والخدمات، في ظل توجه تجار التجزئة إلى توزيع الأعباء الإضافية على شرائح متنوعة من المنتجات.
- المسؤولون: تلقت مزاعم الرئيس ترامب بشأن قدرة سلسلة التوريد الأمريكية على امتصاص الرسوم الجمركية ضربة قوية خلال الشهر الجاري، بعد أن كشفت دراسة لبنك الاحتياطي الفيدرالي عن نتائج مغايرة تماماً لخطاب البيت الأبيض. ففي مذكرة بحثية، أجرى الاقتصاديان روبي مينتون وماريانو سومالي تحليلاً نظرياً معمقاً لتوقع تأثير رسوم 2018 على الصين ضمن مؤشرات التضخم، بافتراض تمرير كامل للزيادات السعرية. واعتمدت الدراسة على تحليل واسع لبيانات المدخلات والمخرجات، مكّنت من تتبع أثر الرسوم عبر مراحل سلسلة التوريد المختلفة.
وأظهرت التوقعات النظرية للدراسة أن الآلات الموسيقية ستسجل أعلى زيادات سعرية نظراً لارتفاع نسبة مكوناتها المستوردة الخاضعة للرسوم، مقابل تأثير محدود على أسعار المستحضرات الصيدلانية. وقد وجد الباحثان تطابقاً كبيراً بين هذه التوقعات والتغيرات الفعلية في السوق، مع تفاوت لافت يحمل دلالة اقتصادية مهمة، إذ تظهر البيانات أن الزيادات السعرية الحقيقية عبر مختلف الفئات بلغت ضعف ما تنبأت به النماذج النظرية.
وتكشف هذه النتيجة المفاجئة أن سلسلة التوريد الأمريكية لم تكتفِ بتمرير الرسوم الجمركية بالكامل إلى المستهلك، بل حققت أيضاً هوامش ربح إضافية تعادل ضعف التكلفة المفروضة. ويؤكد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أن منهجيتهم وبياناتهم أكثر شمولاً ودقة، معتبرين أنها تقدم تصوراً «أكثر تمثيلاً للاقتصاد الأمريكي»، نظراً لاعتمادها على مصادر بيانات أوسع من مجرد المواقع الإلكترونية.