ما الذي يحدث في أسواق الذهب؟

روبرت أرمسترونج

وصل الذهب إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، ويعرف قراؤنا أن لدينا مشاعر متضاربة تجاه المعدن الأصفر، فنحن لا نحب الاستثمارات، التي لا تولد تدفقات نقدية، والذهب يمثل وسيلة تحوط ضد التضخم، لكن من ناحية أخرى ليس هناك جدال بأن أداء الذهب في الآونة الأخيرة كان رائعاً.

تهانينا إذن للقراء الذين قفزوا على القطار الذهبي، ومع ذلك يجب أن يضع هؤلاء في اعتبارهم أنه على الرغم من أن أداء الذهب يكون أفضل في لحظات الفوضى، إلا أنه ليس عقداً مثل المنتجات المالية الأخرى، فقبل بضعة أيام نشرت «فاينانشال تايمز» مقالة عن ارتفاع مخزونات الذهب في نيويورك ونقصها في لندن، وقد أدت الزيادة الكبيرة في شحنات الذهب إلى الولايات المتحدة إلى نقص السبائك في لندن، حيث جمع التجار 82 مليار دولار المخزون في نيويورك، بسبب مخاوف من تعريفات إدارة ترامب. كما ارتفعت فترة الانتظار لسحب السبائك المخزنة في خزائن بنك إنجلترا من بضعة أيام إلى ما بين أربعة وثمانية أسابيع، وتأتي الشحنات أيضاً نتيجة لارتفاع الأسعار في بورصة العقود الآجلة في نيويورك مقارنة بسوق النقد في لندن، وقد حفزت فرصة المراجحة غير العادية المتداولين على إرسال المعدن عبر المحيط الأطلسي.

وما أدهشني حقاً لم يكن الارتفاع الكبير الأخير في مخزونات «كومكس»، بل القفزة الهائلة التي تزامنت مع تفشي فيروس كورونا في عام 2020، ومن المنطقي أن يسارع الأشخاص، الذين اضطروا إلى نقل الذهب للولايات المتحدة إلى القيام بذلك قبل فرض التعريفة الجمركية، لكن لماذا أراد الناس المزيد من الذهب في نيويورك أثناء الوباء العالمي؟ طرحت هذا السؤال على جون ريد، استراتيجي السوق في مجلس الذهب العالمي، الذي أرسل لي عبر البريد الإلكتروني الإجابة التالية:

«غالباً ما يتخذ المستثمرون الماليون، الذين يرغبون في التعرض للذهب مراكز آجلة طويلة في بورصة «كومكس»، والجانب الآخر من هذه التجارة عادة ما يكون وسيطاً، وغالباً ما يكون البنك، ولا تتم تسوية هذه العقود الآجلة من خلال تبادل الذهب المادي، بل يتم بيعها أو تسليمها، ومع ذلك فإذا تمت تسويتها مادياً فيجب أن يحدث ذلك في قبو مسجل لدى «كومكس» في نيويورك.

وبالنسبة للبنوك على الجانب المكشوف من التداول في «كومكس» فهي غالباً ما تحتفظ بمركزها الطويل المعادل من الذهب في لندن، حيث يكون القيام بذلك أرخص مما هو عليه في نيويورك، والغريب أن التسوية المادية في كومكس ولندن تتطلب أحجاماً مختلفة من سبائك الذهب، ففي لندن هناك 400 أوقية من سبائك الذهب، فيما يتم تسليم منتجات «كومكس» إما في قضبان بوزن 100 أونصة، وإما في حزم مكونة من ثلاثة ألواح بوزن 1 كجم. ويمكن إجراء تحويل سبائك الذهب في لندن، لتسليمها إلى نيويورك في وقت قصير في مصافي في سويسرا. يتم بعد ذلك نقل الذهب جواً إلى نيويورك (أي عبر الطائرات لتسوية معاملة مالية! في القرن الحادي والعشرين!).

وفي عام 2020 ضرب «كوفيد» إيطاليا عبر الحدود مباشرة من مصافي الذهب، مما أدى إلى إغلاق أو خفض طاقتها، وتوقفت الطائرات عن الطيران من لندن إلى سويسرا، ومن سويسرا إلى نيويورك، وكان هناك ذعر، وتسارعت صفقات بيع «كومكس» في نيويورك لشراء الذهب لتغطية مراكزها، مما دفع سعر الذهب في نيويورك إلى ارتفاع كبير مقارنة بلندن. وقد اجتذب هذا المراجحين، الذين وضعوا أيديهم على قضبان بالأحجام الخاصة بـ«كومكس» وطائرات مستأجرة. وقد باعوا عقود «كومكس» الآجلة بعلاوات كبيرة، واستخدموا العائدات لشراء ذهب لندن ونقله جواً إلى نيويورك، مما أدى إلى ارتفاع المخزونات كثيراً.

وعدت لأسأل ريد: ألا يبدو كل هذا من إسالة الذهب وعمليات الطيران من الطراز القديم بعض الشيء؟ فرد قائلاً: من الناحية النظرية يمكن إجراء تغييرات على سوقي الذهب، من شأنها أن تجعل اضطرابات مثل التي شهدناها مؤخراً، وفي عام 2020 أقل كثيراً. يمكن على سبيل المثال اعتماد معيار تسليم مشترك أو يمكن إجراء تغييرات، مما يسمح بإجراء التسليم في مواقع أخرى، لكنني أعتقد أن سوق الذهب يحب الوضع كما هو، وهو يسمح بالمراجحة بين التبادلين، وبسبب الاختلافات في مواصفات العقد، يتيح ذلك بعض الفرص. وبالطبع عندما تتصاعد الاحتكاكات الصغيرة بشكل كبير يتأذى بعض اللاعبين، ولكن بشكل عام أعتقد أن اللاعبين الكبار في سوق الذهب يحبون الأمور كما هي بسبب هذه الفرص. ومن السهل التفكير في الذهب كأصل مالي، أو كنوع من العملة الفائقة، لكنه سلعة، وفي أوقات التوتر يعود إلى التصرف على هذا النحو.