مارتن وولف
لمن يحكم دونالد ترامب؟ يرى البعض، وفي ظل الإغلاق الصارم للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أن ترامب لا يبدي اهتماماً بالفقراء خارج الولايات المتحدة، لكن هل هو يعبأ فعلاً بالأمريكيين العاديين الذين صوتوا له؟
الطريقة التي مر بها «مشروع القانون الكبير والجميل» تشير بوضوح إلى أن الجواب هو: لا، فهذا المشروع يمثل نموذجاً صارخاً لما أسميته عام 2006 بـ«الشعبوية الأرستقراطية» أو «الشعبوية البلوتوقراطية»، حيث تذهب معظم المكاسب إلى الأثرياء، فيما تزداد معاناة الفقراء، ويظل العجز المالي هائلاً.
وتعد التعريفات الجمركية في جوهرها نوعاً من ضريبة المبيعات المفروضة على السلع المستوردة، فهي غالباً ما تؤدي إلى رفع أسعار البدائل المحلية أيضاً. وبوجه عام ينفق الفقراء نسبة أكبر من دخولهم على السلع، في حين يوجه الأثرياء جزءاً أكبر من دخولهم نحو الخدمات أو الادخار، لذا فإن التعريفات الجمركية تُعد ضريبة رجعية بطبيعتها، كما أوضحت كيمبرلي كلوزينغ وماري لوفلي من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وربما يكون هذا أحد أسباب ولع ترامب بفرضها. في الوقت نفسه تذهب معظم التخفيضات الضريبية، التي أقرها إلى جيوب الأثرياء.
وأعلن مختبر الموازنة في جامعة ييل تقديراته لتأثير التعريفات الجمركية المطبقة اعتباراً من الأول من يونيو، وكذلك مشروع القانون «الكبير والجميل» بالصيغة، التي مررها مجلس النواب. ومن المرجح أن تتغير صيغة الأخير، لكن المذهل هو تمرير مجلس النواب له، وبإيجاز فإن مزيج الزيادات التي طرأت على التعريفات الجمركية، ومعه مشروع القانون «الكبير والجميل» سيقللان متوسط دخل نسبة الـ 80% الدنيا من الأسر الأمريكية بعد الضرائب والتحويلات، أما الـ 10% الأدنى من الأسر فستشهد انخفاضاً في الدخل بأكثر من 6.5% في المتوسط، بينما ستشهد الطبقة العليا من الأسر زيادة بنحو 1.5%.
علاوة على ذلك، وبحسب مختبر الموازنة، فإنه «بحسابه بالطريقة التقليدية» تبلغ تكلفة مشروع القانون «الكبير والجميل» 2.4 تريليون دولار بصيغته الحالية (وستصبح الكلفة 4 تريليونات دولار إذا أصبحت البنود المؤقتة دائمة)، أما التعريفات المُطبقة اعتباراً من الأول من يونيو فستولد 2.4 تريليون دولار، وإذا تبدى أن هذه التقديرات أقل من الواقع، وأنا أظن أن التعريفات الجمركية لن تجمع هذا القدر من المال، فإن استنتاج كلوزينغ ولوفلي أن «أجندة ترامب، من حيث السياسة المالية ترقى إلى تخفيضات ضريبية رجعية، تمولها جزئياً زيادات ضريبية رجعية»، سيكون صحيحاً.
وفي مدونته الشخصية خلص بول كروغمان إلى أن لديه «نظرة متشائمة» كثيراً تجاه نوايا الجمهوريين، لكن مشروع القانون هذا رجعي للغاية إلى حد أنه شكل صدمة حتى بالنسبة لي. ويعتقد أيضاً أنه مثير للسخرية بشكل كبير، فوفقاً لخطاب من مكتب الموازنة في الكونجرس، وهو غير حزبي، سيرتفع عدد غير المشمولين بالتأمين الصحي بمقدار 16 مليون نسمة بحلول عام 2034، نتيجة للتغييرات المقترحة بموجب مشروع القانون «الكبير والجميل» وغيره، وستكون هناك تخفيضات لبرنامج قسائم الأغذية، بالتالي لن يكون من الخطأ القول، إن الكثيرين سيموتون من أجل توفير تخفيضات ضريبية كبيرة للمليارديرات.
وإذا افترضنا أن تأثير السياسات الاقتصادية لترامب على النمو الاقتصادي الأمريكي لا يذكر فالتأثير الصافي للتعريفات الجمركية ومشروع القانون «الكبير والجميل» على الوضع المالي يبدو استمراراً للاتجاهات المالية السابقة، ولذلك سيظل العجز المالي كبيراً، وسيرتفع الدين نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. وفي توقعاته للموازنة على المدى الطويل بين عامي 2025 و2055، يرجح مكتب الموازنة في الكونجرس ارتفاع نسبة الديون الفيدرالية، التي يحملها الجمهور إلى الناتج المحلي الإجمالي من 100% هذا العام إلى 118% في عام 2035.
وفي كتاب له يرى راي داليو من «بريدج واتر» أنه يجب تقليص العجز بنسبة 3% و4% من الناتج المحلي الإجمالي لتثبيت نسبة الدين، لكن هل يعد مثل هذا التعديل ضرورياً الآن؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي أنه لا أحد يعرف، وتعد الولايات المتحدة أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وهي أيضاً الأكثر ديناميكية على نحو مستمر، وتصدر عملة الاحتياطي العالمي، وهذا يمنحها مجالاً فسيحاً للمناورة، غير أنه لا شيء يدوم إلى الأبد، فإذا فقد الناس ثقتهم بالولايات المتحدة فستكون البلاد مضطرة لإعادة تمويل ديونها، وفق شروط غير مواتية بشكل متزايد. وفي نهاية الأمر قد تصبح أغلبية هذه الديون قصيرة الأجل بأسعار فائدة، يحددها مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبذلك سيكون هذا الأخير، وهو الفيدرالي، تحت ضغط للإبقاء على انخفاض معدلات الفائدة، ومن شأن تسييل الديون المقترن بالتقييد المالي أن يكونا عاملين مزعزعين للاستقرار. وحسب ما قاله روديجر دورنبوش من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ذات مرة فإنه «في علم الاقتصاد يستغرق حصول الأمور وقتاً أطول مما تعتقد، ثم تحدث الأمور على نحو أسرع مما كنت تتصور»، لذا يتمثل الخيار المنطقي في القيام بتغيير المسار قبل فوات الأوان. ويتسم هذا بمنطقية أكبر خاصة إذا قررت خوض حرب تجارية شرسة ضد كل دائنيك، ولعل التجربة المريرة لرئاسة ترامب ستغير بكل تأكيد نظرة العالم تجاه الولايات المتحدة.
وبصفة عامة ينبغي تعريف الشعبوية بأنها شكل من أشكال السياسة، الذي يضع «الجموع» في مواجهة «النخب»، ويمكن للشعوبيين أن يكونوا إما يساريين وإما يمينيين، لكن شعبوية ترامب يمينية بجلاء، بما أنها تركز على الثقافة، والعرق، والوطنية.
ويشكل هذا غطاء محكماً لسياسات تفيد النخبة الأرستقراطية على حساب الجميع تقريباً، لكن في ورقة بحثية رائعة نشرت عام 2023 بعنوان «الزعماء الشعبويون والاقتصاد»، توصل مانويل فانكه، وموريتس شولاريك، وكريستوف تريبيش، إلى استنتاجين ينطبقان على الشعبويين من اليمين واليسار. ويكمن الاستنتاج الأول في أن كليهما يميل إلى إلحاق أضرار دائمة بالديمقراطية نفسها، والثاني هو أن تهورهم وقوميتهم واعتداءاتهم على المؤسسات يميل غالباً إلى أن يسفر عن تكاليف اقتصادية باهظة.
لقد اتفق الحزبان في الولايات المتحدة فعلياً على عدم أهمية الانضباط المالي، وقد توصل الديمقراطيون بلا شك إلى أنه لا طائل منه، لأنه غالباً ما مهد الطريق إلى إجراء تخفيضات ضريبية رجعية، لذا أعتقد أن المديونية الأمريكية ستواصل ارتفاعها. وقد قال الراحل هربرت شتاين ذات مرة: «إذا لم يكن لشيء ما أن يدوم إلى الأبد فسوف يتوقف»، ولذلك فالتساؤلات التي نطرحها هنا هي: متى؟ وإلى أي مدى سيكون الأمر مؤلماً؟
