اجتاح وحدة الأمة .. فتح المنطقة للتدخل الأجنبي وإيران

غزو الكويت صندوق المآسي للعرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

لمشاهدة الـ PDF أضغط هنا

يربط كثير من المراقبين بين غزو الكويت وما تلاه من حرب كادت تحوّل حرباً عالمية ثالثة لو كان الاتحاد السوفييتي في عافيته وبين أوضاع الأمة العربية، وبين ما كابدته طوال عقدين من الزمن.

ففي 2 أغسطس 1990 انهار مفهوم الأمن القومي العربي وبات «رهينة» وجود أجنبي كانت ارتداداته كارثية وسلّم مفتاح المنطقة لإيران.

انقسم العرب، ودولهم، إلى قسمين: القسم الأول كان يدعم الحل العسكري عبر تحالف دولي، أما القسم الثاني فكان مع الحل السياسي السلمي. ومنذ قمة 6 أغسطس في القاهرة احتاج العرب 11 سنة للاتفاق على مؤتمر قمة.

وكان من ظواهر هذا الحدث الكارثة:

• تصنيف الدول العربية بين رافض للغزو ومؤيد له. ما خلق حالة غير مسبوقة من الوهن السياسي.

• تدمير القوة العراقية.. ما أدى إلى اختلال ميزان القوى لصالح إيران، وهو ما نرى آثاره جلية راهناً، إذ تستبيح إيران بقاعاً عدة في المنطقة.

• تنامي قوة تيار الإسلام السياسي.. ما قاد لاحقاً إلى بروز تنظيم القاعدة.

• دفع الإسقاط الذي مارسه رئيس النظام العراقي صدام حسين بتبرير الغزو بأن هدفه تحرير فلسطين إلى «جر» العرب إلى عملية سلام غير متكافئة، كانت مدريد ميدانها.. فضلاً عن تحوّل الانتفاضة الفلسطينية إلى مرتبة خلفية في اهتمامات الدول العربية، وبخاصة الدول الخليجية التي استاءت من موقف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ودعمها لصدام حسين.

• تهميش دور المؤسسات العربية مثل الجامعة العربية وعدم احترام المعاهدات المبرمة بين الدول العربية وخاصة معاهدة الدفاع المشترك.

• إذكاء النعرات التقسيمية على أساس عرقي أو مذهبي، ومساندة إشعال الحروب الأهلية وكانت البداية في انتفاضة الجنوب العراقي ودعم انفصال شمال العراق، حتى لو بصيغة الحكم الذاتي.

• استنزاف الموارد المالية العربية، إذ يقدّر البعض كلفة عمليّتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء بنحو 150 مليار دولار. وتبعها الضغط على الدول المنتجة للنفط لرفع إنتاجها حتى وصل سعر برميل النفط في النصف الأول من العقد التاسع من القرن الماضي إلى ما دون الـ 20 دولاراً.

• أدى تذبذب السياسة الأميركية بين إدارة جمهورية وأخرى ديمقراطية (رئاسة بيل كلينتون) آثرت سياسة «الاحتواء» لنظام صدام إلى تغلغل إيران في العراق وسعيها إلى التغلغل في شرق شبه الجزيرة العربية عبر استهداف أمن المملكة العربية السعودية والبحرين.

في 16 يناير 1991، وقبل ساعات من انطلاق الصاروخ الأول نحو العاصمة العراقية، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) عن نظام عالمي جديد، وبعد 10 سنوات وصل ابنه جورج دبليو بوش إلى السلطة ليعلن وصفته عن الشرق الأوسط الجديد. وبين النظريّتين ازدحم المشهد بكثير من الدراسات والخرائط التي كانت تتحدث عن تقسيم دول، وضم أخرى. ومرة جديدة تكون بغداد هي منطلق هذه السياسة الأميركية التي ترجمت بـ «فوضى خلاقة» أوصلتنا إلى الفوضى.

لا مناص اليوم من الإقرار أن كل المسميات التي أطلقت على أحداث الثاني من أغسطس 1990، على قوتها وبلاغتها في الإشارة إلى الأثر الفادح للغزو العراقي لدولة الكويت، لم ترق إلى التعبير عن الحدث بحجمه الواقعي؛ فالحدث الذي انتهى في العام التالي لوقوعه، خلف ارتدادات أشد وقعاً، وأسوأ أثراً، لا تزال مستمرة وتتواصل إلى اليوم، بعد ربع قرن على وقوعها.

لقد فتح الغزو العراقي صندوق شرور لا يني ينفث الأزمات تلو الأزمات، ويلد الحرب تلو الحرب، ويفرخ التنظيمات الإرهابية تلو الأخرى، بعد أن أصاب وحدة الصف والعمل العربي المشترك بمقتل، خالقاً انقساماً وشرخاً لا سبيل إلى إصلاحه. وفي الأثناء، كان العراق نفسه أول الضحايا، كما لا يمكن إغفال ما أوقعه هذا الزلزال وارتداداته من ضرر بالغ بقضية العرب المركزية، فلسطين، ولا ما أدى إليه من ضرب الاستقرار في العالم العربي.

الأحداث المأساوية، والحروب الكارثية، والظاهرة الإرهابية المستشرية اليوم في البلاد العربية، هي كلها نبت شرير لتلك الخطوة الكارثية!

طباعة Email