من يشاهد القطع الفنية والمزهريات المزخرفة والمصابيح الكهربائية المعروضة في ركن بالجناح اللبناني الكائن بمنطقة الفرص بالمعرض الدولي إكسبو 2020 دبي، لا يخطر بباله أبدا أنها مصنوعة من خردة السيارات ونفاياتها، لكن الحقيقة هي أن كريم ساسين الفنان اللبناني المعاصر استطاع أن يفعل ذلك بلمساته الفنية وبحرفية بالغة.
أكوام الخردة والنفايات التي قد تبدو لنا مصدر القبح والإشاحة بالوجه بعيداً، أضحت بالنسبة لساسين مصدرا إلهام، يحولها إلى قطع فنية يزين بها المنازل، حيث استطاع أن ينتزع الجمال من باطن المهملات، وأن يزرع الإبداع في قلب واقع يومي بأعماله المؤثرة، بعيدة الرؤية واسعة التصور التي تغوص في أعماق المجتمع لتنتقي أجمل المشاهد، وتترجمها إلى أعمال فنية وقطع اثاث تنم عن إحساس عميق بما يقدم فيغمرها بجمالية تجلب المتلقي إليها، وتذهب به إلى تبرئة القمامة من مسؤولية الإضرار بالبيئة، بل تصل إلى حد اعتبارها متضرراً.
هذا ما يحاول الفنان اللبناني ساسين أن يوصله لجمهور إكسبو من خلال معرضه بالجناح اللبناني بتنظيم من “Lebanese Signature” التي تسعى الى دعم المواهب اللبنانية، حيث يتضمن المعرض أعمالاً فنية متعددة مصنوعة من خردة السيارات القديمة التي أعاد تصنيعها لتصبح تحفا فنية جميلة تجذب المتلقي.
ويقول كريم المنحدر من عائلة فنية ان الحكاية بدأت كهواية حيث كان يعمد إلى إصلاح التالف في منزله بنفسه ويؤمن بأن البيئة التي نعيش فيها هي بيتنا الكبير الذي يضم كل الكائنات الحية والطبيعية، وهي هبة من الله تعالى تستوجب الشكر، ويعتبر أن الرعاية والمحافظة عليها هي ما يتعين القيام به من جانبنا، حتى لا نفسد من حولنا عناصر الحياة الأساسية التي تتمثل في الماء والهواء والغذاء.
لذلك انبرى ساسين إلى إعادة الاعتبار لكل ما يمكنها إنقاذه من النفايات المظلومة لاسيما خردة السيارات المهملة والصدأة، وإعادة تدويرها فنياً، بمعنى ردها إلى دورة الحياة من خلال منحها دوراً فعالاً ككائن جذاب ونشط يؤثر في حياة الإنسان ويثير إعجابه بل ويوجه خواطره وأفكاره على نحو إيجابي وملهم باتجاه التعايش حتى مع المنبوذات، تعزيزاً لمصادر السعادة والتوازن والمنافع المتبادلة.
ويبحث الفنان اللبناني باستمرار عن الجمال وأسبابه في صناديق القمامة والمكبات التي يعافها الناس، ويحسن الظن حتى بالنفايات المستقبحة فيحولها إلى حسن وبهجة تسر الناظرين انتصاراً لكل ما هو مهمش، بينما يمكن توظيفه وإشراكه معنا في الإيجابية بل وتحويله إلى مصدر سعادة وطاقة إيجابية للإنسان.
ويعرب ساسين عن فخره بعرض مشغولاته الفنية في معرض عالمي كبير وضخم مثل إكسبو 2020 دبي لينقل رسالته إلى العالم من خلاله بأنه إذا كان العقلاء من الناس يردون الآثار السلبية للنفايات إلى مصدرها الحقيقي وهو الإنسان الذي يسرف في الاستهلاك ويهدر الموارد الطبيعية، إشباعا لرغباته ونزواته بجشع متجدد، فإن بعض المبدعين يذهبون أكثر من ذلك إلى أنه كم مهمل ومنبوذ ومتهم رغم أنه مفعول به أو ضحية سلوك منحرف.
ويؤكد أن إعادة تدوير النفايات ظاهرة حضارية انتظمت الحياة المعاصرة على نحو واسع منذ منتصف القرن المنصرف، وقد طالت مجالات شتى أهمها الصناعة التي تعيد إنتاج الهدر أو المهمل في شكل منتجات جديدة لها وظيفة وفائدة وتندرج في حركة الحياة الفعالية، ولكن رغم ذلك فإن كم الهدر ضخم جداً ومستمر، ولابد من إيجاد أساليب تدوير أخرى غير الصناعية، وتلك هي النزعة الإنسانية الجريئة التي يتمتع بها الفنانون دون غيرهم من التقليديين الذي يعيشون على تنميط الأشياء.




