لا تتضمن صالات عرض السينما العمودية التي قدم جناح كوريا الجنوبية نموذجاً منها في «إكسبو 2020 دبي»، مقاعد جلوس، إنما وسائد تساعد المشاهد على الاستلقاء ومتابعة العرض على شاشة تمتد من الأرض وتنتهي مع نهاية سقف القاعة، الأمر الذي يمنح المشاهد لوهلة شعوراً بكونه جزءاً من المشهد السينمائي، أو الحكاية التي تعرض على الشاشة الكبيرة. إنها ثمرة الرقمنة في عالم الفن السابع.
يقال إن أهم ليلة في تاريخ السينما، كانت في عام 1895، فيها عرض الأخوان لوميير 10 أفلام قصيرة في باريس، لم تتجاوز أطوالها الـ 50 ثانية، حينها كانت تلك الأفلام كوميدية وخفيفة، أبطالها أناس بسطاء، لم يعرفوا تماماً شكل الكاميرا، وحتى شاشات العرض، فجاءت السينما لتفتح بوابة النور أمام أعينهم، ولتصبح لاحقاً، جزءاً أصيلاً من حياتهم، ومن الإرث الإنساني، ولتصبح السينما عيناً على قضايا المجتمعات، وتقدم نظرة خاصة على الثقافات، باختلاف تسمياتها وألوانها ومنابتها وألسنتها. آنذاك، كانت السينما صامتة، ولكن مع مرور الوقت، أصبحت ناطقة، ولم يعد مكانها على ناصيات الشوارع، وإنما تطورت، وأصبح لها مسارح خاصة، وبدت مقاعدها على عكس المسرح، فمن يجلس في الخلف، يصبح أكثر قدرة على امتلاك الصورة، ورؤيتها ومتابعة المشهد بطريقة أفضل.
في بداياتها، كانت السينما بسيطة، وكذلك أفلامها، ولكنها اليوم أصبحت واحدة من روافد الاقتصاد الإبداعي، وأدوات القوة الناعمة، فمن خلالها تبعث الدول برسائلها، وعبر مشاهد أفلامها، تعبّر المجتمعات عن قضاياها وآرائها المختلفة. ومع التحول الذي تشهده شاشات العرض السينمائي، استطاعت الدخول إلى عالم الرقمنة، ويبدو أنها ذاهبة باتجاه «السينما العمودية»، تلك التي يعرض جناح كوريا نموذجاً عنها، يتوقع أن يرى النور مستقبلاً، ليضاف إلى محطات التطور التي شهدتها السينما على مدار التاريخ.
وقع مصطلح «السينما العمودية»، سيبدو غريباً على آذان عشاق «الفن السابع»، لا سيما أولئك الذين لم يختبروه قبلاً، وتعودوا الجلوس على مقاعد جلدية، وأخرى وثيرة، سواء في الصالات العادية ذات البعدين، أو نظيرتها التي تعرض أفلاماً ثلاثية الأبعاد، أو تلك التي تتضمن شاشات «آي ماكس» الضخمة، أو حتى تلك التي تعرض أفلامها بتقنية «الواقع الافتراضي»، والمتوفرة جميعها بين جنبات دبي، التي ارتقت بتصاميم العرض السينمائي، حتى أصبحت تحمل على كتفيها سبع نجمات.
فكرة السينما العمودية، مستقبلية الطابع، فحتى الآن، لم يتم تطبيقها على أرض الواقع، وبحسب القائمين على جناح كوريا، فهذه السينما، التي تعد تجربة فريدة، تحمل عنوان «رحلة العجائب»، يتعرف زائر الجناح من خلالها إلى الثقافة الكورية، وحياة الإنسان الكوري، ويتابع بعضاً من تفاصيل ثقافته الخاصة، هي مجرد فكرة قد يكتب لها النور مستقبلاً، لتبدو فكرة السينما العمودية تطوراً لافتاً في طريقة عرض الأفلام، ومشاهدتها أيضاً، كونها مغايرة تماماً عن صالات العرض السينمائي العادية، أو المتعارف عليها.
الوصول إلى فكرة «السينما العمودية»، لم يكن له أن يتم، من دون المرور بـ «التصميم العادي» لصالات العرض السينمائي، التي لا تزال تهيمن على المشهد العام، وبحسب الإحصاءات الصادرة عن معهد اليونيسكو للإحصاء، يوجد «ما يقارب 200 ألف شاشة سينما حول العالم، 40 ألفاً منها موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية». الإحصائية الصادرة حديثاً، تؤكد أن «الولايات المتحدة الأمريكية، لا تزال تحتل رأس الهرم، بالنسبة لنسبة توزيع صالات السينما للفرد الواحد»، وبررت الإحصائية ذلك، بوصف «الولايات المتحدة موطناً لصناعة السينما المتمثلة بهوليوود»، وتلاها في في المرتبة الثانية فرنسا، بوصفها «مهد السينما»، وتؤكد هذه الإحصائية أنه يوجد «في باريس أعلى كثافة لصالات السينما في العالم». ذات الإحصائية لم تغض الطرف عن المكسيك، التي قالت بأنها «تمتلك عدداً كبيراً من الصالات بالنسبة لدولة نامية»، وبررت ذلك بوجود شغف كبير لدى المكسيكيين للذهاب إلى صالات العرض. ولكن اللافت في الإحصائية، تمثل في «الهند»، حيث أشارت إلى أن «لديها عدداً صغيراً نسبياً من شاشات السينما للفرد»، وذلك رغم ارتفاع نسبة إنتاج الأفلام فيها.
ما يشهده العالم أجمع من تطور في أدواته الرقمية، لم يمنع إدارات صالات السينما من السير في دروب الرقمنة، من خلال اعتمادها لـ «شاشات رقمية»، وهي تعد خطوة متطورة، قياساً مع الشاشات العادية، ورغم حداثه هذه الشاشات، إلا أن العيون بدت مفتوحة عليها، ليكشف ذلك مدى الاهتمام بهذا السوق، ففي العام الماضي، تجاوز «عدد شاشات السينما الرقمية حول العالم حاجز 208 آلاف شاشة»، وفق ما أعلنته شركة (Statista GmbH)، في أحدث تقاريرها، والتي تبين فيها أن «استخدم صالات العرض للشاشات الرقمية، شهد ارتفاعاً بنحو 34 %، في غضون نصف عقد تقريباً»، وتقول الشركة بأن «العالم كان يمتلك أقل من 155 ألف شاشة رقمية في 2016».
الاهتمام بتطوير صالات العرض السينمائي، نابع من ارتفاع حجم الصناعة نفسها على مستوى العالم أجمع، وهو ما تكشف عنه الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن «آي بي آي إس وورلد»، والتي بينت أن «حجم صناعة إنتاج وتوزيع الأفلام في العالم، وصلت خلال 2022، إلى نحو 117.9 مليار دولار، استحوذت هوليوود منها على أكثر من 10 مليارات دولار حتى الآن»، وفق ما تشير إليه إحصاءات موقع «بوكس أوفيس موجو»، بينما توقعت «آي بي آي إس وورلد»، أن يرتفع حجم سوق صناع إنتاج وتوزيع الأفلام العالمية خلال العام الجاري إلى 1.7 %، مقارنة مع العام الماضي وما قبله، والذي شهد انخفاضاً ملحوظاً في الإنتاج بسبب جائحة «كوفيد 19».
دبي، وعبر السنوات الأخيرة، أولت اهتماماً عالياً بصالات العرض السينمائي، حيث نجحت من خلال شركات «فوكس» و«ريل سينما» و«نوفو سينماز» و«روكسي سينما»، في تقديم تجربة «عالية المستوى» لعشاق الفن السابع، وارتفاع المنافسة بين هذه الشركات، ساهم في رفع مستوى «الفخامة» في صالات السينما، والتي وصلت إلى حدود «صالات السينما ذات السبع نجوم»، وتلك الملحقة بالفنادق، والتي تصنف في إطار «سينما بوتيك».
