قدم العديد من الجامعات والكليات من دولة الإمارات والعالم، في «إكسبو 2020 دبي»، ملامح التحوّل في التعليم، لتكون مخرجاته مرتبطة مباشرة بالمستقبل المهني الوظيفي للطلبة. وتميزت كليات التقنية العليا في استعراض نجاحاتها حول النتائج العملية لربط التعليم بإطلاق الشركات الناشئة. والثمار الأولى ظهرت في أن حصة الطالبات في إدارة هذه الشركات بلغت 64 %.
وأكد البروفيسور عبداللطيف الشامسي مدير مجمع كليات التقنية العليا، أن المناطق الاقتصادية الإبداعية الحرة «InnCuVation Spaces» هي فكر طموح، وله أبعاد مذهلة على المدى البعيد، وأنه منذ اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في عام 2019 كليات التقنية العليا كأول مؤسسة تعليم عال تتحول إلى مناطق اقتصادية إبداعية حرة وفق البند السادس من وثيقة «الخمسين»، بدأ العمل فوراً على تحقيق هذه الرؤية التي تهدف إلى توجيه عقول الشباب في مرحلة مبكرة وتهيئتها لهذا الفكر التجاري والاقتصادي المستقبلي ليكون لهم دور مؤثر في الاقتصاد الإماراتي وليخلقوا فرصهم لا ينتظرونها كما يؤكد سموه دائماً.
وأضاف الشامسي في حواره مع «البيان» على هامش توقيع كليات التقنية العليا عدة اتفاقيات شراكة في «إكسبو» مع مؤسسات محلية لدعم الشركات الناشئة والابتكار، أن التحول في التعليم العالي الذي نشهده حالياً هو تحول طموح ونتوقع خلال الـ 10 سنوات المقبلة أن يكون لدينا مئات الشركات تتخرج من المناطق الاقتصادية الحرة في كليات التقنية العليا إلى السوق المحلية بل وحتى للمنافسة عالمياً.
وقال: إن الكليات اليوم لم تعد فقد تخرج طلبة من حملة الشهادات والدرجات العلمية، بل أصبحت ومنذ العام 2019 تعمل على تخرج شركات ورواد أعمال تحقيقاً لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بما فتح للكليات المجال للعب دور أكبر في دعم التنمية والمساهمة في تطوير البنية التحتية لاقتصاد الدولة، ليصبح لدينا شركات إماراتية وطنية يمتلكها شبابنا ويحظون من خلالها بالفرص الاستثمارية في السوق ليقودون الاقتصاد الوطني.
عمل ممنهج
وذكر أن تحويل المشاريع الطلابية سواء كان مشروع تخرج أو فكرة مشروع ناشئ، إلى منتج أو خدمة ذات قيمة اقتصادية يتم ضمن المناطق الاقتصادية الإبداعية الحرة التي أسستها الكليات منذ ما يتجاوز العامين تقريباً ومن خلال برنامج متكامل يسمى «برنامج تطوير الشركات الناشئة» والذي أطلق في أكتوبر 2019 تتم عملية احتضان وتطوير الأفكار، حيث تمر عملية تطوير أية فكرة بعشر خطوات ضمن ثلاث مراحل رئيسية تشمل (1) إثبات الفكرة وتبنيها والجدوى منها، (2) المسرعات والتي يتم خلالها إعداد الطالب عبر برامج ودورات تدريبية مكثفة لإطلاق شركاتهم الناشئة (3) مرحلة التأسيس ودعم الاستمرارية في السوق المنافس، وخلال هذه المراحل الثلاث تتم المراحل التفصيلية من بلورة الفكرة وفق مفهوم ريادة الأعمال ودراسة فاعليتها وإعداد النموذج الأولي لها للخدمة أو المنتج وخطط التسويق بما فيها خط الإنتاج وفريق العمل ومجلس إدارتها والمختصون، وإدارة الموارد والحصول على الرخصة التجارية، وصولاً للمرحلة النهائية المتعلقة بالدعم والاستمرارية.
وأشار إلى أن هذا البرنامج يقدم العديد من الأنشطة التي تهدف إلى تمكين الطلاب ليصبحوا رواد أعمال نشيطين وتشمل هذه الأنشطة: (1) محادثات ريادة الأعمال التي تزود الطلاب بنظرة أعمق حول عالم الأعمال، (2) جلسات الإلهام وتوليد الأفكار والتي يلتقي الطلبة خلالها مع خبراء في الصناعة لتحديد أفضل الفرص لريادة الأعمال، (3) المخيمات التدريبية للشركات الناشئة لدعم تطوير وتنمية الأفكار لتحويلها لشركة ناشئة، (4) مسرعات الأعمال والتي تمتد إلى 10 أسابيع، وتتمثل في ورش عمل أسبوعية لتطوير مهارات أصحاب الأفكار كرواد أعمال ومعالجة أية تحديات تواجههم، (5) ركن رائد الأعمال عبارة عن جلسات نقاشية لأي شخص لديه فكرة تجارية محتملة، حيث ناقش مع مختصين التحديات لدعم تطوير فكرته.
وذكر الشامسي أهمية برنامج تطوير الشركات الناشئة كونه يقوم بعمل مدروس وممنهج في ظل ما يشهده السوق من منافسة قوية اليوم، لهذا فإن تأسيس الشركات الناشئة يحقق ثلاثة أهداف أساسية تشمل: حصول الشركة على رخصة تجارية، وتشكيل مجلس إدارتها وأن يكون لها دخل مادي، وهذه الأخيرة هي مرحلة تخريج الشركة، فليس المهم فقط حصول الشركة على رخصة تجارية إنما المهم هو العمل الممنهج الذي يصل بالشركة لتزاول نشاطها بقوة بمنتج ذي ربح سوقي، وهذا أمر تلعب فيه الشراكات مع الجهات والمؤسسات المحلية دوراً كبيراً.
خدمات أساسية
وأفاد الشامسي بأن كليات التقنية توفر لمدة عامين متكاملين للشركات الناشئة التي تتبناها بعض الخدمات الأساسية مثل ربطها بجهات مختلفة للاستثمار والمستثمرين، كما تقدم لها الدعم الكافي لتقليل نسبة المخاطرة التي تتعرض لها المشاريع المبتدئة، مؤكداً أن النجاح الحقيقي يعتمد بشكل كبير على جهد رائد الأعمال ذاته بحسب حماسه واهتمامه واستكشافه للفرص وقدرته على التعامل المرن مع التحديات المختلفة التي قد تواجهه والتأقلم مع المتغيرات والتحلي بالصبر، ومهارة الترويج لمنتجه التجاري بالشكل الصحيح ليحصل على دعم المستثمرين.
وأشار إلى أن السوق مفتوح ومشجع لزيادة أعداد الشركات الإماراتية، وقال إن كليات التقنية بحكم تخصصها في مجال التقنيات والتكنولوجيا تسعى إلى تخريج شركات في هذه المجالات وتركز على الشركات ذات الطبيعة التكنولوجية العالية والمتعلقة بالتطبيقات واستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات ذات الحجم الكبير، واستخدام الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء، وكلها قطاعات مرتبطة بالمستقبل، فالشركات التي تخرجت إلى اليوم من الكليات تعمل في قطاعات مثل الأنظمة المؤتمتة للتسليم والأسواق الإلكترونية وخدمات البيوت الذكية والأمن السيبراني والتكنولوجيا الزراعية والحلول الصحية من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد والخدمات المهنية.
وأكد الشامسي أن الثقة كبيرة في أن طلبتنا لديهم أفكار إبداعية وقدرات عالية وتتوفر لهم البيئة التكنولوجية وهم بحاجة إلى بيئة حاضنة وموجهة تمكنهم من تحويل أفكارهم إلى فرص تجارية واستثمارية للمستقبل، مشيراً إلى أن المناطق الاقتصادية الحرة بالكليات قامت بتخريج (138) شركة ناشئة يديرها (665) طالباً وطالبة الذين استكملوا كافة المراحل وانطلقوا بشركاتهم الخاصة، حيث حصلت (40) منها على رخص تجارية لمزاولة نشاطها التجاري في سوق العمل في مجالات تكنولوجية مختلفة ومبتكرة، مع الإشارة إلى أن 64٪ من مجموع الشركات تمتلكها طالبات، كما حققت هذه الشركات إجمالي دخل يقدر بنحو 5.87 ملايين درهم.
تحديات التحول
وحول أبرز التحديات التي واجهت المناطق الاقتصادية الحرة بكليات التقنية، أوضح البروفيسور الشامسي أنها تمثلت في تحول الكليات كمؤسسة تعليمية نحو الفكر الاقتصادي بعد أن كان دورها يقتصر على التعليم الأكاديمي، فهذا بحد ذاته مثّل تحدياً جديداً لمنظومة التعليم بالكليات ككل، ولكن الجاهزية المسبقة التي تتمتع بها الكليات عل مستوى البنية التكنولوجية والبيئة التعليمية المتطورة والكفاءات البشرية، لعبت دوراً كبيراً في نجاح هذا التحول، معرباً عن فخره بالكادر الأكاديمي في الكليات الذي بات اليوم قادراً على المساهمة في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال وطرحها ضمن العملية التدريسية وتشجيع الأفكار المبتكرة لدى الطلبة، حيث إن مجال ريادة الأعمال لم يعد مقتصراً على تخصصات بعينها بل أصبح يندرج ضمن كافة المناهج الأكاديمية بالكليات في مختلف التخصصات، وأصبح آلاف الطلبة اليوم يتفاعلون مع الأنشطة المطروحة عبر المناطق الاقتصادية الإبداعية الحرة.
وقال: إنه ليس شرطاً أن يقوم طالب التقنية فور تخرجه بإنشاء شركته الخاصة، وإنما الأهم هو غرس الفكر الريادي في نفسه، وهو الهدف الذي نسعى في الكليات إلى تحقيقه على المدى البعيد، وهذا هو نجاحها الحقيقي لأن بعض الخريجين قد يلجأون إلى الالتحاق بوظائف لاكتساب خبرة عملية تؤهلهم لتأسيس شركاتهم الخاصة.
وأضاف البروفيسور الشامسي أن المناطق الاقتصادية الحرة هي الحل أمام التحديات التي تواجه الخريجين في عملية البحث عن فرص وظيفية، كونها تمكن الطلبة من صناعة هذه الفرص بل وتخلق أخرى لغيرهم من الشباب، وفعلياً وفرت الشركات التي تم تأسيسها بالكليات نحو (211) فرصة عمل للشباب.
وقال إنه نظراً لنوعية التعليم التطبيقي في الكليات فإن الطالب يتعلم بالممارسة ويقوم بتطبيق ما تعلمه من خلال مشروع أو نموذج تطبيقي، وهذا عزز من دور الكليات على مستوى تخريج الشركات من خلال توجيه الطلبة نحو التفكير خارج الصندوق خلال تنفيذ مشاريعهم وأن يعتمدوا تقديم أفكار مبتكرة واستخدام التكنولوجيا المتقدمة في تنفيذها، لتكون هذه الأفكار تفوق فكرة مشروع تخرج إلى مشروع تجاري، لا سيما وأن الكليات أبرمت العديد من اتفاقيات التعاون مع مؤسسات العمل والصناعة في الدولة التي يهمها اطلاع الطلبة على التحديات التي يواجهونها بحيث يمكن للطلبة المساهمة في تقديم حلول مبتكرة لها، مما يثري بيئة الإبداع والابتكار وريادة الأعمال.
القدرة على الموازنة
واعتبر الشامسي أن أمام الطالب تحدياً كبيراً يتمثل في قدرته على الموازنة بين المتطلبات الدراسية ومتطلبات مشاريع ريادة الأعمال، مشيراً إلى أن المناطق الاقتصادية هي لمن يمتلك الفكرة من الطلبة ولديه رغبة وإصرار على تحويلها إلى مشروع تجاري، حيث تعتبر الرغبة في امتلاك وتحويل الفكرة إلى شركة ناشئة عاملاً مهماً للنجاح وهي تعتمد على طبيعة شخصية كل طالب.
وذكر أن الدورات التدريبية المطروحة عبر المناطق الاقتصادية لا تحسب للطالب ضمن مساقاته الأساسية التي يدرسها كونها اختيارية، فضلاً عن أن برنامج تطوير الشركات الناشئة والأنشطة التي يطرحها يُعد برنامجاً مكثفاً ويتطلب التزاماً وجدية وحضوراً لساعات كثيرة، لذلك يعتمد الأمر على اهتمام الطالب وموهبته وشغفه تجاه ريادة الأعمال، مشيراً إلى أن سوق الإمارات كبير ويحتاج إلى أن يكون لأبنائه ولشبابه دور فاعل وحصة فيه.
وأوضح أنه ينخرط في برنامج تطوير الشركات الناشئة اليوم (1328) طالباً وطالبة، مؤكداً أن الطلبة من مختلف البرامج والتخصصات يمكنهم الالتحاق ببرنامج تطوير الشركات الناشئة وليس شرطاً تخصص إدارة الأعمال بالإضافة إلى خريجي الكليات كذلك.
وقال: إن إطلاق المناطق الاقتصادية الإبداعية الحرة كانت في بدايتها تحدياً كبيراً لنا كمؤسسة تعليمية ولكن بعد مرور عامين وزيادة على إطلاقها أصبحنا نمتلك الخبرة الكافية، وفي كل دورة نستقطب فيها المستثمرين لمناقشة أفكار الطلبة نرى تحسناً لافتاً في نوعية الأفكار المطروحة من طلابنا وطالباتنا الذين أصبحوا يفكرون بعقلية رجل الأعمال مما يدعو للفخر، مشيراً إلى أن الكليات كمؤسسة تعليمية تستفيد من هذه التجارب والخبرات التي تمر بها وتستثمرها وتوظفها بشكل أفضل.
وأشار إلى أن الكليات حرصت على تنفيذ دراسة من واقع تجربتها في مجال تأسيس الشركات الناشئة، وحرصت على مشاركة نتائج هذه الدراسة مع المجتمع مما أسهم ذلك في تحقيق العديد من فرص الدعم للطلبة من أصحاب الشركات الناشئة مثل تخفيض رسوم إصدار الرخص التجارية لهذه الشركات كما تحظى بدعم مؤسسات حكومية مثل مؤسسة محمد بن راشد للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وصندوق خليفة وغيرهما، مشيراً إلى أن تعديل وتطوير التشريعات عملية مستمرة وفق التطورات والمتغيرات السوقية، وهناك العديد من جوانب الدعم والتسهيلات أصبحت ملموسة.
وشدد البروفيسور الشامسي على أهمية الدور التكاملي بين المؤسسات التعليمية والمؤسسات المعنية مثل المؤسسات والدوائر الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة ومراكز حاضنات الأعمال ودعم المستثمرين وصناديق الاستثمار، وذلك عبر إبرام اتفاقيات بين المؤسسات التعليمية وهذه الجهات لإيجاد تعاون مستمر وتوفير أفضل الفرص لطلابنا وطالباتنا لتأسيس مشاريعهم الخاصة، وقال إن إكسبو 2020 منصة غنية بالتقنيات الحديثة والأفكار التي تستعرضها أجنحة الدول المشاركة، الأمر الذي يثري المشهد التعليمي وينعكس إيجاباً وبصورة ملهمة على أفكار وإبداعات الطلبة لربط التحديات المستقبلية بمشاريع التخرج والشركات الناشئة.
وأكد أهمية بناء فكر ريادة الأعمال لدى الطلبة بالأسلوب العلمي الممنهج الذي يضمن الاستمرارية في السوق بنجاح واستدامة مع تطور الشركات الناشئة ونموها بمرور الوقت، خصوصاً أن دولة الإمارات تتمتع ببنية تحتية قوية تدعم النشاطات التي تقوم بها الشركات الإماراتية والشركات الناشئة على أعلى مستوى، لا سيما وأن رئيس مجمع كليات التقنية العليا هو وزير الدولة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، لذلك فهو يدعم هذا الفكر الذي يعتبر توجهاً حكومياً ورؤية وطنية مستقبلية.

