غابات سحرية، وأزهار ملونة، تطرز الأرض بجمالها، بينما تنثر عبيرها على رؤوس الوجود، تلك الصورة عهدناها، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، ولكنها مع مرور الوقت بدأت تتبدل، وتفقد جزءاً من أناقتها، بدت أشبه بصورة حرقها الزمان بأيامه، بينما تركت البشرية بصمتها عليها، بفضل عدم الاهتمام بالأرض، التي شاخت ملامحها، بعد أن خسرت الكثير من أناقتها، وقد تبدل ثوبها الأخضر بواحد أصفر اللون.
تلك الصورة بدت حاضرة بقوة على منصة الأرض، التي اعتلاها أعضاء فرقة شابة، لتقدم عرضها المسرحي «إيرث وون»، والذي حمل بين ثناياه مجموعة من المشاهد الملونة، التي تحكي قصة الأرض، وسط أمنيات بأن تعود إلى سيرتها الأولى.
مشاهد متتالية، تتغنى بجمال الأرض وخضرتها، وتبرز كيف هَنَأَ الإنسان بظلال أشجارها الوافرة، قبل أن يتمرد على الأرض، ويرفع شعار الثورة الصناعية، التي استهلكت جزءاً كبيراً من تلك الظلال، لتسهم في رفع نسبة التلوث في المناخ، وهو ما أدى إلى حدود الاحتباس الحراري، الذي تعاني منه البشرية هذه الأيام.
العرض المسرحي الموسيقي بدا بسيطاً في تفاصيله وحتى السينوغرافيا، التي قامت على أكتاف تصاميم مستوحاة من الغابات والشجر وورود حملتها أكتاف فتيات توشت ملامحهن بالجمال، فيما قدمت الحكاية على شكل أنشودة رددتها ألسنة أعضاء الفرقة الشابة، التي سعت إلى تجسيد ما تتحمله الأرض من معاناة، نتيجة التلوث البيئي، تلك الأنشودة لم تقتصر على الشجر فقط، وإنما ذهبت ناحية البحار والجبال والغابات وغيرها، لتروي حكاية الأرض مع الإنسان، وكيف أثر عليها بإهماله لها، وبمساهماته المختلفة في رفع نسبة النفايات بدءاً من البلاستيكية وليس انتهاء بنظيرتها السامة.
خلال العرض، لا تسمع صوت أعضاء الفرقة، بقدر ما تستمع إلى صوت الأرض وتنهديتها، تستمع إلى أنين معاناتها، وكذلك أمنياتها بأن يعود بها الزمن إلى الوراء كثيراً، لتعود إلى سيرتها الأولى، وتستعيد نضارتها، وقد تمكنت من محاربة «التغير المناخي» وتخفيض درجات الحرارة العالية، التي تعاني منها الأرض.
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها الاستناد إلى الموسيقى والفعل المسرحي، للتعريف بقضايا الأرض ومعاناتها، فقد شهد العالم قبلاً بزوغ فجر مجموعة من الفرق الموسيقية الفاعلة في قضايا البيئة، والتي توسدت نغمات الإيقاع للتعريف بها، من بينها مجموعة من الموسيقيين الألمان، الذين أسسوا في 2012 بالعاصمة الألمانية برلين أوركسترا متكاملة، عملت على إطلاق مبادرة لحماية المناخ، وتشجيع المشاريع البيئية العالمية من خلال تخصيص عائدات الحفلات لهذه المبادرات الداعية إلى الاستدامة ومكافحة التلوث، آنذاك أطلقت تلك الأوركسترا مقطوعة «الفصول» للمؤلف النمساوي الشهير جوزيف هايدن، لتأسر بها قلوب عشاق الدفاع عن الأرض والبيئة.
