في سوريا وراء كل قطعة أثرية حكاية خاصة، بين ثناياها تحمل تفاصيل ملامح حضارة ما، وجل هذه الحضارات مرت على أرض الشام، التي تحمل على ظهرها إرثاً عتيقاً، يمتد عمره آلاف السنوات وإلى فترات ما قبل الميلاد، وها هي سوريا تعيد الاحتفاء بإرثها وتراثها العريق، بشقية المادي وعير المادي، في إطار جهودها لترسيخ روح الإنسانية، فتاريخ سوريا عميق وموغل في البعد، وشواهد التراث والآثار فيها عديدة، فتدمر لا تزال شاهدة على العصور الغابرة، بينما يروي الجامع الأموي بعضاً من ملامح التاريخ الإنساني الذي مر في دروب الشام، وتتكاتف معه في ذلك قلعة دمشق الشهيرة، والمكتبة الظاهرية التي تضم بين جدرانها إرثاً إنسانياً عميقاً.

سوريا كانت حاضرة بكل جمالها وفنونها وحضارتها العميقة، في معرض إكسبو 2020 دبي، لتعرض على الملأ أقدم قطعة موسيقية مدونة في العالم من أوغاريت السوريّة، ومعها جدارية طويلة تحكي عن شواهد حضارية وتعرض رموزاً لا تزال حية في ذاكرتنا جميعاً.

حضور سوريا بكل أناقتها في المعرض الدولي، كان سبباً لطرح بعض القضايا المتعلقة بتراثها وآثارها، إذ أطلت عبر ورشة عمل حملت عنوان «استعادة التراث السوري وإحياء المجتمعات المحلية» واستقطبت ثلة من المتحدثين والعارفين بالشأن الأثري وأهميته، والذين استعرضوا حالة المواقع الأثرية في سوريا وتسليط الضوء على المواقع الستة المدرجة في قائمة يونسكو للتراث العالمي، إلى جانب دور المنظمات الدولية في حفظ التراث الثقافي السوري، في ظل امتلاك سوريا أكثر من 20 ألف موقع أثري، تحتاج إلى حماية ودعم دولي بهدف المحافظة عليها.

استعادة التراث أولوية

ومع إسدال الستار على تفاصيل ورشة العمل، أشار فارس كلاس، عضو مجلس أمناء الأمانة السورية للتنمية إلى أن «استعادة التراث المادي وغير المادي لسوريا تعد أولوية». وقال: ندرك تماماً أنه لا يمكننا القيام بذلك بمفردنا، فهو مهمة يجب أن تتضافر فيها الجهود الوطنية والدولية كافة، من أجل مساعدة سوريا على ترسيخ روح الإنسانية وترك إرث نفخر به جميعاً.

توصيات كثيرة خلصت إليها ورشة العمل التي نظمتها الأمانة السورية للتنمية بالتعاون مع الجناح السوري في المعرض الدولي، ومن بينها أهمية نشر الوعي الثقافي، وتبني المؤسسات الدولية استراتيجيات تمكن من استعادة التراث السوري، وأهمية العمل على إعادة تأهيل المواقع الأثرية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية، إلى جانب ضرورة العمل على وقف التنقيب غير الشرعي الذي يفقد سوريا جزءاً كبيراً من تاريخها، كما دعت إلى أهمية العمل على تفعيل التحول الرقمي المتعلق بالتراث والآثار السورية.

التنقيب العشوائي

استعادة القطع الأثرية التي فقدت في الفترة الماضية، بدت مهمة تحملها سوريا على كتفيها، وفي هذا السياق قال نذير عوض، المدير العام للمتاحف والآثار لـ«البيان»: التنقيب العشوائي الذي أدى إلى تدمير صفحات كاملة من التاريخ السوري، يعد ملفاً شائكاً لا يمكن إغلاقه بسهولة، ورغم ذلك فنحن نعمل بكل جهدنا على استعادة القطع المفقودة، مضيفاً: القطع الأثرية التي تمت سرقتها وتهريبها وتحديداً من متحف الرقة يمكن تتبعها أينما وجدت، ونمتلك ما يشبه الهوية لهذه القطع والتي تبين مواصفاتها كاملة، ولدينا وثائق خاصة بذلك، ومع ذلك تظل هذه العملية معقدة من الناحية القانونية والفنية بسبب اختلاف القوانين في الدول التي تتحرك فيها هذه القطع، مقارنة بتلك التي يتم التعامل فيها داخل سوريا، حيث يمنع القانون لدينا الاتجار بالآثار السورية منعاً باتاً، في هذا الأمر علينا أن ندرك إننا نواجه منظمات كاملة تقوم بأعمال التهريب، ورأينا سوقاً سوداء انتشرت في كل دول العالم التي يتم فيها بيع القطع الأثرية، لدرجة وصلت الجرأة لدى البعض إلى عرضها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتابع: لدينا معلومات ووثائق كاملة عن القطع كافة التي تم تهريبها وسرقتها من سوريا، ولأجل ذلك قمنا في 2014 بتأسيس مكتب فني يسمى «مكتب الاسترداد» وتم تطوير قدراته لمتابعة هذه القطع أينما ظهرت في أي بقعة على الأرض، والعمل على استعادتها إلى الأرض السورية، وفي هذا الشأن نتلقى مساعدة من مجموعة من الخبراء والعارفين بالآثار الذين يدركون أهمية الآثار السورية، كما نتعامل مع مجموعة من المنظمات الدولية التي تسعى إلى المحافظة على الآثار السورية، منوهاً إلى أن الخطورة تكمن في عمليات التنقيب غير الشرعية والعشوائية، التي أفضت إلى تهريب الآلاف من القطع التي لاقت طريقاً نحو السوق السوداء.

فقدان وتشويه

في السنوات الأخيرة، شهدت المواقع الأثرية السورية اعتداء ملحوظاً أدى إلى فقدان وتشويه هوية هذه المواقع، وفي هذا السياق، قال نذير عوض: «لدينا أمل كبير بالتعامل مع أي جهة عربية وغير عربية، للمحافظة على التراث الأثري السوري الواسع، ونحن على استعداد لتقبل أي مبادرات تتواءم مع ما لدينا مع مشاريع تهدف إلى حماية هذه المواقع»، مؤكداً أهمية هذه الخطوات الهادفة إلى حماية التراث الأثري السوري، قائلاً: «نحن منفتحون على التعامل مع أي جهة تمد يد العون لحماية التراث الأثري الثقافي السوري الذي نقوم بعملية إحيائه، فسوريا غنية بالمواقع الأثرية، التي يتجاوز عددها أكثر من 20 ألف موقع، موجودة فقط في المناطق التي تم مسحها، إلى جانب مناطق أخرى لا تزال تنتظر عمليات مسحها، وهذا البلد يحتاج إلى دعم لتراثه المأزوم، لأن تراثه جزء من التراث الإنساني».