منتدى الرؤساء التنفيذيين في القارة السمراء: الحاجة ملحة لتطوير الحوكمة والقوانين

الجائحة تجدد نماذج الأعمال في أفريقيا

ت + ت - الحجم الطبيعي
فرضت جائحة «كورونا» تحديات جسيمة على دول العالم كافة دون استثناء، لكنها، في المقابل، أحدثت تغيرات هيكلية إيجابية في نماذج الأعمال.
 
وفي قارة أفريقيا التي تستورد 90 % من احتياجاتها من السلع والمنتجات، اضطر رواد الأعمال وأصحاب المشاريع التجارية متناهية الصغر إلى ابتكار آليات عمل جديدة لمواجهة النقص في الواردات، بحسب المشاركين في منتدى الرؤساء التنفيذيين في أفريقيا، الذي نظمه أمس في مركز دبي للمعارض جناح منظمة التعاون الأفريقي في إكسبو 2020 دبي.
 
وخلال جلسات المنتدى، قالت روث نغاش، الرئيس التنفيذي لرابطة سيدات الأعمال في دول شرق وجنوب أفريقيا، إن التحول الاقتصادي الذي تشهده قارة أفريقيا يعتمد بشكل أساسي على تمكين المشاريع الفردية متناهية الصغر.
 
وأضافت: «أسهمت الجائحة في إحداث تغيرات جوهرية في آليات عمل المشاريع الصغيرة في القارة، وخاصة تلك التي تديرها النساء، ففي ظل اعتماد معظم دول القارة على استيراد ما يقارب 85 لغاية 90 % من احتياجاتها من الأسواق العالمية، شكل اضطراب سلاسل الإمداد وعرقلة حركة الاستيراد تحدياً حقيقياً أمام الجميع لتوفير الاحتياجات والسلع الأساسية، ومع توقف جزء كبير من الواردات، ابتكرت العديد من المشاريع متناهية الصغر وسائل جديدة لمواصلة العمل.
 
حيث باشرت العديد من العائلات بالاعتماد على الأراضي المنزلية لزراعة احتياجاتها من الأغذية النباتية، ووصل الأمر إلى توظيف البرك المائية الصغيرة لتربية الأسماك، وشكل ذلك تحولاً في السلوك الاستهلاكي من الاعتماد على الأغذية الجاهزة والمصنعة إلى الأغذية الطبيعية الطازجة، وبدأوا بالتوسع في شراء المزيد من الأراضي لزراعتها والاستفادة منها وتسجيل ملكيتها بشكل قانوني».
 
توسع التقنيات
 
ولفتت نغاش إلى تزايد الاعتماد بشكل كبير على تقنية الاتصالات حتى لدى الشرائح التي تعاني من الأمية، إذ بدأت العديد من السيدات اللواتي لا يجدن الكتابة والقراءة بتسجيل مقاطع فيديو حول منتجاتهن مع شرح صوتي عن مواصفاتها وإرسالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لها، مما يعكس التغيرات التي طرأت على آليات العمل في الأسواق.
 
كما سهلت المعاملات الرقمية المصرفية من إنجاز العمليات المالية بسرعة وسهولة، وفي ظل هذه التطورات أدرك أصحاب المشاريع متناهية الصغر أهمية تسجيل شركاتهم بشكل رسمي وقانوني للتوسع بشكل أكبر.
 
ومن هنا بدأت العديد من المشاريع بالتحول من فئة الأعمال متناهية الصغر إلى مشاريع صغيرة ومتوسطة بشكل منتظم وأكثر احترافياً والتوجه نحو التصدير إلى الأسواق المجاورة أيضاً، وتجسد هذه المستجدات التحولات الجذرية الإيجابية التي أحدثتها الجائحة على كامل مراحل سلال القيمة للأعمال والشركات الصغيرة خلال 2020 و 2021 وهي تشكل ملامح جديدة لأفريقيا ككل.
 
كما تعكس أهمية تطوير القوانين وأطر الحوكمة الناظمة للتجارة. كما عززت الجائحة من الشراكات بين صغار التجار وأصحاب المشاريع متناهي الصغر وتكوين علاقات عمل وثيقة على المستوى المحلي والإقليمي أيضاً وفقاً لنغاش.

إصلاح شامل
 
من جانبها أشارت آنا ليما باربر، مفوض عام جناح جمهورية كابو فيردي في إكسبو دبي إلى أن أفريقيا بحاجة إلى إصلاح شامل للأطر التشريعية والقانونية الناظمة لكافة قطاعات الأعمال لتوفير بيئة آمنة وعصرية للمستثمر الأجنبي بالتزامن مع توفير الحوافز الاستثمارية الملائمة، كما أن دول القارة بحاجة لاستقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة التي تساهم في خلق وظائف جديدة وفي نقل المعرفة أيضاً، مما يعزز مساهمتها في النمو الاقتصادات المحلية. ومن الضروري أيضاً تنويع القطاعات الاقتصادية المتاحة للاستثمارات الأجنبية المباشرة بما يشمل الرعاية الصحية والبنية التحتية والقطاع المالي وغيرها.
 
وأكدت باربر ضرورة وضع السياسات والأطر الاستثمارية بناءً على دراسات واقعية لواقع ومتطلبات القطاع على المستوى المحلي في كل دولة، إذ تتباين المعطيات السوقية والاقتصادية بين المناطق الجغرافية في الدولة ذاتها.
 
وأضافت: «من المهم بمكان توفير الدعم اللازم لمشاريع الاستثمار الأجنبي بكافة المراحل، بدءاً من البدايات، مروراً بالتطبيق، وصولاً للافتتاح والتشغيل، بما يشمل التراخيص القانونية والتسهيلات البنكية وغيرها وتحفيزها على توظيف الكفاءات والمهارات البشرية المحلية، كما يجب متابعة سير العمليات التشغيلية للمشروع وتذليل أي عقبات تقف في طريقه بما يساهم في تحفيز توسعات المشاريع القائمة، ويكتسب دعم توسيع الاستثمارات العاملة أهمية أكبر من استقطاب استثمارات جديدة في كثير من الأحيان.
 
مما يؤكد أهمية مساعدة المشاريع القائمة حتى بعد مرحلة التشغيل. وعلى الحكومات أن تقوم بتوفير التدريب العملي اللازم للقوى العاملة المحلية بما يلبي متطلبات المشاريع الاستثمارية المستهدف استقطابها لتأهيل رأس المالي البشري الوطني وزيادة دخل الأفراد».
 
أجندة 2063
 
من جانبه قال ديفيد بيير، سفير سيشل السابق في منظمة التعاون الأفريقي، إن اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تأتي في مقدمة المبادرات الهادفة لتحقيق «أجندة 2063» التي أطلقها الاتحاد الأفريقي وتتضمن خارطة طريق للمجتمعات الأفريقية من أجل المساهمة في بناء قارة مزدهرة انطلاقاً من القيم والمصالح المشتركة، وبلغ عدد الدول التي وقعت وصادقت على الاتفاقية الحد اللازم لبدء التجارة في إطار الاتفاقية وهو ما يحصل بالفعل.
 
وتهدف الاتفاقية إلى تحفيز التجارة البينية على امتداد دول ومناطق القارة الأمر الذي يدعم استعداد أفريقيا للتجارة الدولية مع باقي دول وأسواق العالم بطريقة تتسم بالكفاءة والفعالية.
 
وأشار بيير إلى أن أفريقيا تضم 1.3 مليار نسمة يشكل الشباب 60 % منهم، لذا من الضروري تمكين الأفارقة الشباب للاستفادة من الفرص التي تتيحها الاتفاقية لتطوير قدراتهم الريادية. وأضاف: «تطمح أجندة 2064 لتحقيق نمو يشمل الجميع وتنمية مستدامة على المدى الطويل، لذا من الضروري إدماج كافة الشرائح السكانية في عمليات التطوير الاقتصادي مما يساهم في انتشال شرائح كبيرة من الفقر، وتشكل الاتفاقية عاملاً حيوياً لتحقيق هذه الطموحات».
 
وأكد بيير أن الإرادة السياسية موجودة في ظل إدراك الحكومات الأفريقية لأهمية إنجاح اتفاقية التجارة الحرة القارية لتجاوز تحديات الفقر، وفي حال تعززت الإرادة السياسية بمستويات أكثر فعالية يمكن عندها تجاوز كافة التحديات. فهناك العديد من الدول التي تتمتع بأطر الحكومة الملائمة وعوامل الأمن والاستقرار والسلام لكنها بحاجة أيضاً للآليات الاستثمارية اللازمة التي تعزز جاذبيتها أمام الاستثمار الأجنبي وتحمي حقوقه ومشاريعه.
 
طباعة Email