بيوت قابلة لإعادة التدوير ومواصلات في باطن الأرض

مدن المستقبل تزهر في الجناح الألماني

ت + ت - الحجم الطبيعي

قراءة المستقبل تبدو مهمة ثقيلة يحملها العالم على كتفيه، ففي الوقت الذي يسعى فيه إلى تحقيق الاستدامة وإيجاد حلول لقضايا التغير المناخي والبحث عن مصادر بديلة للطاقة، فهو يسعى جاهداً لوضع تصورات مختلفة لمدن المستقبل، بطريقة تراعي كل القضايا المؤرقة، وتحقق الرفاهية للسكان، وهو ما تتطلع إليه ألمانيا عبر جناحها الذي قدمت فيه نظرة خاصة على طرق تصميم مدن المستقبلية.

«مع حلول عام 2100، سيعيش 85% من السكان في المدن، فأي نوع من المدن ستكون تلك؟» تلك معلومة وفي الوقت نفسه سؤال عريض، يحاول جناح ألمانيا أن يثير به تفكير زواره، ليفتح عيونهم على ماهية مدن المستقبل، وطرق تصميمها وهندستها، وطبيعة المواد التي يمكن استخدامها فيها، بحيث تضمن عدم المساس بحدود البيئة، والاستفادة من الموارد المتاحة، بطريقة تحقق الاستدامة وتضمن وجود موارد الطاقة البديلة.

حسب التصميم الهندسي الألماني لن تكون مدن المستقبل تشبه تماماً المدن التي نعيش فيها وتحتضن أحلامنا، ليس من حيث المساحة وحسب، وإنما من حيث عمليات البناء والتصميم، ليبدو أن ألمانيا قد أخذت على عاتقها تقديم مجموعة من الابتكارات والأفكار الجديدة التي تسهم بطريقة أو بأخرى في المحافظة على البيئة وتضمن حصول سكان العالم على مدن تتناسب مع مقاسات أحلامهم.

المشكلة والحل

«المستقبل يتقرر في المدن»، جملة يتردد صداها في أروقة الجناح، ويبدو أنها قد بنيت على جدلية أن «معظم المدن الكبرى في العالم كانت على الدوام محل جدل»، والسبب يكمن في أن 80% من البضائع على مستوى العالم تنتجها المدن الكبرى، وفي الوقت نفسه فهي تنتج نسبة موازية من النفايات وغازات الاحتباس الحراري، في إشارة إلى دور هذه المدن في رفع نسبة الاحتباس الحراري عالمياً. وبما أن المدن تشكل جزءاً من المشكلة العالمية، فهي تشكل أيضاً جزءاً من الحلول، والتي تعتمد على تعديل أنظمة استهلاك السكان للموارد الطبيعية، ومساهمتهم في بناء بنية تحتية قادرة على حفظ الطبيعة ومواردها، وإيجاد بيئة مناسبة تحفز على ابتكار حلول مختلفة لهذه المعضلة.

تصاميم جديدة

كافة التوقعات تشير إلى أن العالم يتجه حالياً نحو التضخم السكاني، مع ارتفاع عدد السكان، وهو ما بات يتطلب تحركاً لإيجاد تصاميم جديدة تعتمد على تقنيات إعادة التدوير سواء لمخلفات الإنتاج أو أغلفة التعبئة والبضائع الاستهلاكية المصنوعة من البلاستيك، في هذا الإطار فقد سعى جناح ألمانيا وضمن قسم «مدن المستقبل» إلى الإضاءة على جهود بعض الشركات الألمانية التي تعمل في هذا الإطار، من خلال إنتاجها لمواد مختلفة تدخل في عملية البناء، وتعتمد في تصنيعها على مخلفات الإنتاج والبضائع الاستهلاكية، والتي يمكن من خلالها إنتاج الصفائح المكونة من بولي إثيلين عالي الكثافة، حيث تمتاز هذه الصفائح بمقاومتها العالية وعمرها الطويل.

عملية تطوير

جملة تحملها الكثير من المنتجات التي نتداولها بين أيدينا وتباع في الأسواق، ولكن هل تخيلت يوماً بأن تحمل البيوت مثل هذه الجملة؟ قد يبدو ذلك غريباً ولكنها في مدن المستقبل ستصبح واقعية، وذلك بفضل عملية التطوير التي قامت بها بعض الشركات الألمانية والتي نجحت في بناء وحدة سكنية مكونة بالكامل من مواد معاد تدويرها وقابلة لإعادة الاستخدام بنسبة 100%، عملية التطوير تلك، جاءت بناءً على نتائج بعض الدراسات التي تفيد بأن 40% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تصدر عالمياً عن قطاع الإنشاء والبناء، فضلاً عن أن طبيعة الخرسانة والمواد اللاصقة وشقيقاتها التي تدخل في عملية البناء، تجعل من إعادة تدوير البيوت والمباني أمراً في غاية المستحيل.

تصميم مدن المستقبل، وفق النظرة الألمانية، لم يكن قاصراً عند حدود البناء فقط، وإنما تجاوز ذلك إلى حدود التصميم الداخلي، وكذلك استخدامات الطاقة، وهو ما تم التركيز عليه في ورشة المستقبل، التي تقدم حلولاً مختلفة تساعد على بناء وحدات سكنية مستدامة، وتعمل في الوقت نفسه على إصلاح ومعالجة البيوت القائمة لتصبح أكثر قدرة على إنتاج الطاقة أكثر مما تستهلك، مع ضمانة عدم ارتفاع نسبة التكاليف والإيجارات وغيرها.

كما تتسع النظرة إلى مدن المستقبل لتصل إلى حدود عمليات إنتاج المواد الغذائية وكذلك تقنيات تسهم في تنقية مياه الصرف، بالاعتماد على البكتيريا الطبيعية لتنقية المياه، وهو أسلوب قامت به جامعة ميونيخ التقنية، فيما تضمن مدن المستقبل خلوها من المخلفات البلاستيكية، حيث يتم التخلص منها باستخدام بكتيريا ذكية، وهو ابتكار توصل إليه باحثون من جامعة آخن التقنية، بحيث تتغذى هذه البكتيريا على البلاستيك العادي وتحوله إلى بلاستيك حيوي قابل لإعادة الاستخدام والتحلل العضوي. أما من حيث المواصلات فيبدو أنها ستتحول مستقبلاً إلى باطن الأرض، وذلك من خلال نظام «كارغو كاب» الذي يوفر حلولاً لازدحام الشوارع، معتمداً في ذلك على التقنيات المستخدمة في شق القنوات.

طباعة Email