كشف مشاركون في أعمال قمة مستقبل الغذاء والمعرض العالمي للتقنيات الزراعية والابتكار، التي انطلقت، أمس، في مركز دبي للمعارض بـ«إكسبو 2020 دبي»، أن الانبعاثات الكربونية للقطاع الزراعي والغذائي تشكل ما يقارب ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم سنوياً، وأوضحوا أن تبني ممارسات الزراعة المستدامة والصديقة للبيئة، على غرار الزراعة المتجددة والتحول من البروتين الحيواني إلى مصادر البروتين النباتية، يساعد في تحول القطاع الزراعي من كونه جزءاً من أزمة التغير المناخي إلى أداة حيوية، ضمن الحلول الناجعة، لمواجهة التحديات البيئية، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وكذلك لمواجهة تحديات الغذاء، في ظل زيادة عدد السكان ومحدودية الموارد عالمياً.

وتواكب القمة رؤية الدولة الداعمة لمسيرة الابتكار والتقدم في القطاع، وتشهد القمة، التي تختتم اليوم استعراض الجهود العالمية، لتحقيق مستقبل آمن للغذاء، حضوراً بارزاً لعدد من الوزراء وصناع القرار، وكبار الشخصيات من الأمم المتحدة والبنك الدولي، وغيرهم من الشركاء العالميين الرئيسيين.

وفي كلمتها الافتتاحية، قالت معالي مريم بنت محمد المهيري، وزيرة التغير المناخي والبيئة: «للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نجتمع معاً لبدء حوار على جميع المستويات، لتسريع التحول العالمي نحو أنظمة الغذاء المستدام، وعلى مدار اليومين المقبلين، سنستكشف حلولاً جديدة لتحديات الأمن الغذائي الأكثر إلحاحاً، التي يواجهها العالم، والبحث في آليات تعزيز تعاوننا كمجتمع عالمي واحد لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030».

واستعرضت النموذج الرائد لدولة الإمارات لتعزيز الأمن الغذائي، وتوجهاتها المستقبلية الطموحة، التي تهدف إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتمكين ابتكارات التكنولوجيا الزراعية، التي ستشكل مستقبل الغذاء.

حلول للتحديات

وأكد بان كي مون، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ضرورة اتخاذ الإجراءات المناسبة لمكافحة التغير المناخي وتطوير وسائل الإنتاج الزراعي، واعتماد سبل العيش المستدامة، حيث يواجه العالم ارتفاعاً متوقعاً في الطلب العالمي على الغذاء بنسبة 50% بحلول عام 2050.

وأطلع بان كي مون، الشريك المؤسس لمركز بان كي مون للمواطنة العالمية، الذي يتخذ من فيينا مقراً له، الوفود المشاركة في كلمة ألقاها، عبر الإنترنت خلال المنتدى على الدور المحوري للإنتاج الغذائي في إيجاد الحلول لمشاكل الجوع والفقر والتنوع البيولوجي، والتغير المناخي، وحذّر من إمكانية تراجع المحاصيل الزراعية بنسبة 30% في حال عدم اتخاذ الإجراءات الضرورية في الوقت المناسب.

وقال: «من الضروري دعم صغار المزارعين أكثر من أي وقت مضى، بشكل يواكب النمو السكاني المتزايد، وزيادة الطلب على الغذاء، مع السعي لتعزيز استدامة الأنظمة الغذائية ومرونتها، إذ يتلقى صغار المزارعين في العالم حالياً 1.7% من إجمالي التمويل المتعلق بالظروف المناخية. وفيما يحتاج هؤلاء المزارعون إلى ما يقدر بنحو 240 مليار دولار سنوياً من الدعم المالي، حصلوا على 10 مليارات دولار فقط في عام 2018، ما يشير إلى ضرورة تكريس منهجية، تتمحور حول الإنسان في المنظومات الغذائية وحلول التغير المناخي».

حلقة وصل

ومن جانب آخر، شارك عدد من أبرز القادة العالميين وصنّاع السياسات، بمن فيهم مارتين فان نيوكوب، مدير قطاع الممارسات العالمية للزراعة والغذاء في البنك الدولي؛ وإسماعيل رويج، المدير الإقليمي لمناطق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى شركة آرتشر دانييلز ميدلاند، في جلسة حوار بعنوان الغذاء الجيد للجميع - دور الغذاء كحلقة وصل بين الصحة والمناخ، والتي سلطت الضوء على الصلة الأساسية بين التغير المناخي والصحة، وتأثيرها على الأمن الغذائي.

وقال مارتين فان نيوكوب: «تحتاج الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها بشكل جذري، واتخاذ خطوات فاعلة في مجال الغذاء، لا سيما أن عدد سكان العالم سيزيد بنحو ملياري شخص بحلول عام 2050، فيما يواجه نظام الغذاء العالمي تفاقم مجموعة من التحديات الملحّة مثل التغير المناخي وانعدام الأمن الغذائي والجوع، بالإضافة إلى هدر ثلث إجمالي الإنتاج الزراعي كل عام، أي ما يعادل أكثر من تريليون دولار أمريكي سنوياً.

وأفاد إسماعيل رويج، بأن العالم يشهد اليوم تحدياً كبيراً وثغرة متفاقمة في مجال توريد الأغذية، حيث تُعتبر الدول الغربية مصدراً فائضاً للسلع، بما في ذلك ما يتراوح بين 300 إلى 400 مليون طن من النباتات المعمرة مثل الحبوب والبذور الزيتية، فيما تشكل مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا المستورد الرئيسي للسلع، وتزداد هذه الثغرة في ظل غياب مصدر جديد للإنتاج، بمعزل عن المنتجين الكبار الحاليين، لتحقيق علامة فارقة في هذه المعادلة.

ثورة رئيسية

ولفت رويج إلى أن تطوير موارد البروتين النباتي يشكل ثورة رئيسية في عالم الغذاء، ففي حين يتم استخدام نسبة كبيرة من الخضراوات الغنية بالبروتين لإطعام الحيوانات تتعرض نسبة كبيرة منها للهدر، لكن في حال تعزيز الاستخدام الأمثل للخضراوات الغنية بالبروتين لإطعام البشر يمكن حل جزء كبير من أزمة توفير الغذاء اللازم لـ 2.5 مليار نسمة إضافية من سكان العالم بحلول 2050.

وأوضح أن حجم الانبعاثات الكربونية من الزراعة يصل إلى 12 مليار طن سنوياً، منها 8 مليارات طن من الزراعات الحيوانية، وذلك مقارنة مع 50 مليار طن إجمالي الانبعاثات الكربونية في العالم سنوياً، ويمكن من خلال التحول تدريجياً من الاعتماد على البروتين الحيواني إلى البروتين النباتي، لن يسهم ذلك فقط في حل مشكلة انبعاثات الغازات الدفيئة، وتوفير المزيد من الطعام لأعداد أكبر من الناس، بل يسهم في تكوين معادلة مستدامة للتغذية.

وأشار رويج إلى ضرورة موازنة معادلة الإنتاج والاستهلاك للسلع الغذائية بين نصفي الكرة الأرضية الغربي والشرقي، لافتاً إلى أن 4 شركات عالمية تستحوذ على ما يقارب 30% من تجارة السلع الغذائية وعليها دور حيوي في المحافظة على التنوع الحيوي واعتماد الممارسات المستدامة، وأكد أن العالم بحاجة للبحث عن مصادر وموارد متنوعة للأغذية في مختلف المناطق والدول مع الموازنة بين الإنتاج الزراعي المحلي، والاعتماد على الواردات من باقي الدول، كما يكتسب تنويع محطات سلاسل الإمداد وتعزيز الترابط أهمية كبيرة.

فرص متعددة

وخلال إحدى جلسات القمة أشارت الدكتورة جنيلد ستوردالن، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «إيت» إلى أن مواجهة أزمة الأمن الغذائي وأزمات المناخ والبيئة قد تشكل التحدي الأكبر أمام العالم، لكنها تحمل فرصاً متعددة أيضاً، إذ يمكن لتطوير الممارسات الزراعية والغذائية أن يشكل أداة فاعلة لمساعدة البيئة والمجتمعات في آن، وفي حين تسهم أنظمة الإنتاج الزراعي والغذائي، بما يقارب ثلث الانبعاثات الكربونية في العالم، من الضروري أن تتحول إلى صفر انبعاثات مستقبلاً، من خلال عدة طرق أبرزها اعتماد آليات الزراعة المتجددة والإنتاج الغذائي المرن وغيرها.

شراكة نوعية

تتألف القمة من عدة محاورٍ رئيسية، بما في ذلك منتدى قادة العالم، الذي يجمع وفوداً وزارية دولية وعدداً من كبار المسؤولين التنفيذيين في منظمات غير ربحية من جميع أنحاء العالم، لاستكشاف واستشراف حلول لتعزيز الأمن الغذائي العالمي.

وتعليقاً على هذا الجانب، قال عبد الحكيم الواعر، المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) والممثل الإقليمي للمنظمة في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا: «سيسهم مستقبل الأنظمة الغذائية والزراعية في رسم ملامح مستقبل البشرية، ومستقبل الغذاء والزراعة في المنطقة، ولا بد من التأكيد هنا على أن الأنظمة الغذائية والزراعية تبدأ من الحقول، وليس من المصانع، وتحديداً من جودة التربة، التي تعتبر أحد أهم مؤشرات صحة البيئة. وفي حال عدم قدرتنا على وضع الحلول لتحديات التربة والمياه والأنهار، وغيرها من الموارد بشكل مدروس ودقيق، فإننا سنصل إلى مرحلةٍ لا نمتلك فيها الأساس اللازم لتطوير الزراعة أو المحاصيل الزراعية عالية الجودة. وهنا، تبرز أهمية الأنظمة الغذائية والزراعية، ودورها في تحديد مستقبل المنطقة والعالم».