تحفة فنية نادرة، هكذا يمكن وصف «شجرة المعرفة»، ذلك العمل الذي أبدعته الفنانة البيلاروسية كريستينا فيسوتسكايا، ونسجته من خيوط الصوف والقطن وألياف مختلفة أنواعها، لتقدم من خلاله نظرة مختلفة عن اندماج الابتكارات والتقنية مع الطبيعة، وتأثيرها في تقدم الدول وصياغة رؤاها المستقبلية، حيث استطاعت كريستينا فيسوتسكايا، عبر عملها هذا أن تعانق السماء، فالشجرة التي يبلغ طولها نحو 9 أمتار، زرعت في قلب جناح بيلاروسيا، ذلك البلد الذي تعد الشجرة فيه واحدة من المكونات الأساسية للأساطير، لما تحمله من رموز مختلفة، فهي رمز الخصوبة والتواصل، والحيوية، وهي رمز للبدايات والتجدد أيضاً.
النظرة إلى شجرة المعرفة من الأعلى، يختلف تماماً عن النظر إليها من القاعدة، فكلما اقتربت منها زاد شغفك ناحية هذه الشجرة، التي صممتها الفنانة كريستينا بطريقة ثلاثية الأبعاد، لتمنح من خلالها المتفرج مجالاً لاكتشاف عملية التواصل، ومدى ارتباط الإنسان بجذور الوطن الأم والثقافة أيضاً، فجذع «شجرة المعرفة» صمم على صورة طاقة الأرض الأصلية، بينما يمثل تاجها قمة هذه الطاقة، التي تنمو سريعاً بفضل ابتكارات الإنسان وحركته الدائمة وتطلعاته نحو المستقبل.
يحمل العمل الفني بين ثناياه رمزية خاصة، لا سيما أنه يتوسط قاعة الابتكارات التكنولوجية الحديثة، والاختراعات التي جادت بها بيلاروسيا على الإنسانية، كما مجسم السيارة الكهربائية الكوبية، الذي يشرف عليه إ.شيفيريف، وغيرها من الابتكارات، التي يمكن لها أن تسهم في تحسين الحياة البشرية وإكسابها مزيداً من الراحة، لكن العمل يرتكز أساساً على موضوع الطاقة وكيفية تدفقها، حيث يأتي ذلك نابعاً من قناعة الفنانة كريستينا فيسوتسكايا بأن «كل شيء يتصل بعضه بعضاً، بمجرد أن تتدفق الطاقة فيه»، لذا تبدو «شجرة المعرفة» في فكرتها أشبه بالشبكة العصبية للإنسان، أو شبكة الإنترنت والاتصالات وغيرها، والتي تتجلى فاعليتها بمجرد أن تتدفق الطاقة بين شرايينها، لتزيد من ترابط الإنسانية مع بعضها البعض، لدرجة تصبح معها أشبه بجسد واحد.
المدقق في العمل الفني، سيشعر بمدى عمق الفكرة التي اختارتها كريستينا، فأغصان الشجرة تمثل الصلات العقلية التي تجمعنا معاً، بينما ثمارها ترمز إلى الناس، الذين يتواصلون معاً بطرق مختلفة، ما يضمن تدفق دائم للأفكار وتوالدها، وهو ما يضمن العمل على مستقبل أفضل.
ورغم أن الطاقة تشكل العمود الفقري للمنحوتة الفنية، إلا أن كريستينا فيسوتسكايا لم تغض طرفها عن الحرف اليدوية، التي تمتلك مساحة واسعة في بيلاروسيا، وهو ما يتجلى في عملية النسيج والغزل التي تعكس كريستينا فيسوتسكايا من خلالها جانباً من الهوية الثقافية لوطنها، الذي طالما شكلت فيه المنسوجات اليدوية جزءاً مهماً من الحياة على تلك الأرض، وهو ما يعكس فكرة الارتباط بين الأجيال، التي تقلبت على الأرض البيلاروسية، واحترفت هذه الصناعة، حيث يشكل القطن ومعه مواد أخرى كما الصوف والاكريليك نحو 80% من قوام الشجرة، والذي تم نسجه يدوياً، في وقت استخدمت فيه الفنانة كريستينا فيسوتسكايا مواد أخرى مثل الحديد والصلب المعدني، الذي شكل جذع الشجرة وأغصانها، وقد ارتدت هذه القطع الحديدية، ثوباً من الصوف والقطن المصبوغ بألوان الأزرق والأحمر والأخضر، حيث لكل لون فيها دلالة خاصة، مستوحاة من طبيعة قنوات تدفق الطاقة.
«شجرة المعرفة» لا يعد العمل الفني الأول للفنانة كريستينا فيسوتسكايا، وهي التي سعت من خلال جملة أعمالها الفنية إلى استكشاف العديد من الرموز، وترجمة العلاقة بين التقنيات التقليدية والنسج اليدوي، وكذلك التقنيات الرقمية، وعلاقتها مع الطبيعة، لتقدم من خلالها مفاهيم جديدة، متعددة الأبعاد والموضوعات، التي ترتبط بعملية الاتصال بالجذور الإنسانية.
