ليس من السهل إيجاد مواءمة بين التنمية والاستدامة، وهو ما ينطبق على صناعة الأزياء في العالم، فهذا القطاع يوفر ملايين الوظائف ويسهم بقوة في النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه مطلوب إحداث تحول أكبر لتقليل أثر هذه الصناعة على البيئة والمناخ.

«إذا كنت من عشاق الأناقة الذين يتابعون كل جديد في عالم الموضة، سوف ترويك أزياؤنا كما يروي الماء الظمأ!.. لتكتمل أناقتك، نستخدم الماء بسخاء، فنستهلك 2700 لتر من المياه لإنتاج قميص واحد، وكي نلبي طلبك، وعشاق الأناقة أمثالك، فنحن ننتج كل عام 80 مليار قطعة ملابس». تلك الجمل استلت من بين مجموعة الرسائل التي يعلقها معرض إكسبو 2020 دبي على جدران جناح الاستدامة، ليفتح من خلالها العيون على حجم الآثار التي تخلفها صناعة الأزياء على البيئة، في وقت بدأت فيه دور الأزياء ومدارس التصميم برفع شعار «صناعة مستدامة»، علّها تنجح في التخفيف من حدة الآثار المترتبة على البيئة، جراء اتساع نطاق وحجم صناعة الأزياء، التي تشكل في بعض الدول رافعة أساسية في اقتصادها.

المتابع للتقارير الاقتصادية سيدرك تماماً حجم وأهمية الدور الذي تلعبه صناعة الأزياء في نمو الاقتصاد العالمي، حيث تسهم في رفع حيوية العديد من المجالات والصناعات التي ترتبط بعوالم الأزياء والتصميم، فضلاً عن إسهامه في الاقتصادات المحلية، عبر خلقه ملايين الوظائف، إلى جانب تأثيراته في سلاسل التوريد العالمية، وانعكاساته الاجتماعية الكبيرة، وهو ما مكن صناعة الأزياء والموضة من البقاء تحت الأضواء، فالاهتمام بتوجهات الموضة أسهم كثيراً في رفع إيرادات سوق الأزياء عالمياً، وبحسب تقرير «قطاع تجزئة الأزياء العالمي» الصادر عن شركة ستاتيستا (Statista) الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين، فإن حجم سوق الأزياء حالياً يبلغ 1.5 تريليون دولار، فيما يتوقع أن يسجل بحلول 2025 نحو 2.25 تريليون دولار، وذلك بالنظر إلى ارتفاع نسبة الطلب على الملابس الرياضية، وكذلك نمو التجارة الإلكترونية، فمثلاً صناعة الأزياء في نيجيريا تحتل المرتبة الثانية من حيث نسبة أصحاب الأعمال في البلاد، فهي تضم حالياً أكثر من 4 ملايين وظيفة، وقادرة على إنتاج 2.7 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2025، وهو ما أعلن عنه جناح نيجيريا خلال إحدى ندواته التي نظمها في معرض «إكسبو 2020 دبي»، بينما تبين التقارير أن قطاع الملابس والمنسوجات في تركيا قد صدر منتجات بقيمة 17.7 مليار دولار خلال 2019، ذهب معظمها إلى دول الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، فيما أكدت تقارير أخرى صادرة عن جمعية المصدرين الأتراك، أن «صادرات الملابس ارتفعت في أبريل 2021 بنسبة 184.7%، مقارنة بالشهر نفسه من 2020، لتبلغ قيمتها نحو مليار و632 مليوناً و42 ألف دولار».

وبحسب منظمة التجارة العالمية، فقد صنفت بنغلاديش ثاني أكبر بلد مصنع للثياب والملابس الجاهزة في العالم منذ 2010، حيث تشير الإحصاءات إلى أن بنغلاديش صدرت إلى العالم خلال 2020 و2021 ملابس جاهزة بقيمة 31.4 مليار دولار، بحسب هيئة بنغلاديش لمنتجي ومصنعي الملابس، التي تستعرض مقومات هذا القطاع الحيوي في جناح بنغلاديش المشارك في معرض إكسبو 2020 دبي.



صداقة البيئة


ورغم زخم الفعاليات التي يحتضنها معرض إكسبو 2020 دبي فإنه لم يغض الطرف عن «عروض الأزياء المستدامة» التي قدمتها بعض الأجنحة الدولية، حيث سعت من خلالها إلى فتح العيون على توجهات الموضة مستقبلاً، وأبرز صيحاتها المتوقعة، فيما بدا التركيز في هذه العروض على تقديم أزياء يمكن وصفها بـ«صديقة البيئة»، وهو ما تجلى في عرض «الأزياء المستدامة» الذي قدمه جناح تركيا على خشبة مسرح دبي ميلينيوم، ومن قبله قدمت فيتنام عرضاً خاصاً للأزياء على خشبة الوصل، لتطلق عبره نظرتها نحو المستقبل، وعلى النسق ذاته سارت الصين، التي قدمت هي الأخرى عرض أزياء تشيباو الصيني التقليدي للسيدات تحت ظلال الوصل، حيث قدم العرض الصيني تشكيلة فريدة من نوعها، لتكشف عن ما يمتلكه هذا البلد من فرص في هذه الصناعة، والأمر ذاته انسحب أيضاً على السعودية التي قدمت في حديقة الفرسان تشكيلة واسعة من الأزياء، وكذلك سويسرا التي نظمت عرضاً للأزياء على السجادة الحمراء التي تغطي المساحة الأمامية للجناح.

ما تتمتع به صناعة الأزياء من جماليات، تصافح من خلالها الأناقة، لم تستطع حمايتها من الدخول في دائرة الجدل، لا سيما بعد قيام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) بتصنيفها «ثاني أكثر الصناعات تلويثاً في العالم»، وذلك بسبب استخدامها سنوياً نحو 93 مليار متر مكعب من المياه، وتكفي لتلبية احتياجات خمسة ملايين شخص، ويتم إلقاء كمية من الألياف الدقيقة تعادل 3 ملايين برميل من النفط في المحيط كل عام، فضلاً عن كون هذه الصناعة مسؤولة عن انبعاث الكربون أكثر من جميع الرحلات الجوية الدولية والشحن البحري مجتمعة.



تخفيف الآثار

ارتفاع تلك الأرقام كان كفيلاً بأن تفتح العيون على حجم الضرر الذي تسببه صناعة الأزياء على البيئة، وهو ما دفع العديد من دور الأزياء ومدارس التصميم إلى ابتكار مصطلح «الأزياء المستدامة»، محاولة منهم إلى تخفيف الآثار التي تخلفها صناعة الأزياء على البيئة، إلى جانب العمل على رفع مستويات الوعي بالبيئة، وتشجيع الناس على أن يكونوا أكثر وعياً في استهلاكهم للأزياء، وكذلك تثقيفهم بشأن الطرق المسؤولة عن تحديث خزانات الملابس الخاصة بهم.

الاهتمام بـ«الأزياء المستدامة» أسهم في إطلاق تحالف الأمم المتحدة للأزياء المستدامة، وهي مبادرة مصممة لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات المتحالفة معها للإسهام في أهداف التنمية المستدامة من خلال العمل المنسق في قطاع الأزياء، وهذه المبادرات هي سبب ونتيجة لزيادة الوعي العام حول الأثر الاجتماعي والبيئي للأزياء على العالم، يمكن أن تبدأ الإجراءات التي تعالج تغير المناخ وتخلق عالماً أفضل للجميع باختيار المرء ما يرتديه كل يوم، وقد تجلى ذلك في أسبوع الموضة 2020 في مدينة نيويورك، الذي سعى عبر مجموعة من الأحداث إلى المجتمع المحلي وتثقيفه بشأن الطرق المسؤولة لتحديث خزانات الملابس الخاصة بهم وخلق أسلوب فريد خالٍ من الأزياء المستعملة والمستدامة.



فخ التشويه

توجيه صناعة الأزياء نحو طريق الاستدامة جاء بهدف تحسين صورتها أمام العالم، وحمايتها من الوقوع في «فخ التشويه»، وذلك بالنظر إلى اتساع حجمها وانتشارها العالمي، لذا فإن الممارسات غير المستدامة في قطاع الموضة قادرة على ترك تأثيرات مهمة على مؤشرات التنمية الاجتماعية والبيئية، ووفقاً لتقارير صادرة عن تحالف الأمم المتحدة للأزياء المستدامة، فإن صناعة الأزياء مسؤولة عن ما يقدر بنحو 2 إلى 8% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، وتستهلك الصناعة حوالي 215 تريليون لتر من المياه سنوياً، فيما قدرت دراسة مشتركة أجرتها مؤسستا (Quantis) و(ClimateWorks) حملت عنوان «قياس عالم الأزياء»، أن قطاعات الملابس والأحذية العالمية مجتمعة مسؤولة عن 8% من انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم، بينما بينت دراسة أجرتها خدمة الأبحاث في البرلمان الأوروبي (EPRS) حول التأثير البيئي لصناعة النسيج والملابس، أن الملابس وحدها مسؤولة عن 2% إلى 10% من التأثير البيئي الناجم عن استهلاك الاتحاد الأوروبي.

تلك الأرقام، وما تشهده الأرض من تغيرات مناخية وتلوث كبير، كانت كفيلة بأن تقنع دور الأزياء ومدارس التصميم بابتكار فكرة «الموضة المستدامة» أو ما يسمى بـ«الأزياء الأيكولوجية» أو «الأزياء الصديقة للبيئة»، وجميعها تشكل جزءاً من فلسفة جديدة في عالم تصميم الأزياء، تهدف إلى خلق نهج صديق للبيئة، من خلال إيجاد طرق بديلة لتصنيع أو اقتناء الملابس والابتعاد عن منتجات الموضة السريعة، حيث يتم أخذ بعض المعايير في الحسبان، مثل طريقة التصنيع، ونوع القماش المستخدم، وتفادي الأقمشة الاصطناعية التي تصنع من المواد البتروكيماوية كالنايلون والبرلون والرايون والبوليستر. الجهود المبذولة من قبل صناع الموضة لجعل هذه الصناعة مستدامة يبدو أنها لم تذهب سدى، وهو ما تجلى في أسابيع الموضة العالمية الأخيرة، فعلى صعيد أسبوع الموضة في لندن فقد شهد نقلة نوعية في تنمية الصناعة المستدامة، من خلال منع المصممين من استخدام الفرو الطبيعي في تصاميمهم، وقد التزمت العديد من دور الأزياء العالمية بهذا القرار.