«العربية» لغة تنبض بالحياة، تحتفظ بشبابها ورشاقتها، ولا تشيخ أبد الدهر، فقد حفظت بين دفتي القرآن الكريم، وعاشت طويلاً في صدور أبنائها، ولا تزال كذلك، وفي أروقة إكسبو 2020 دبي.
تألقت اللغة العربية، وتجلى إرثها، وتمكنت من ترك بصمة خالدة في زواياه وشوارعه، التي لم تغب عنها الحروفيات، بكل تجلياتها الفنية والتعبيرية أيضاً، ومعها بدأ الحدث الأروع عالمياً، أول محفل دولي يحتفي بلغة الضاد على مستوى دولي، وهو ما يمكن للزوار تلمسه، بمجرد أن يحطوا رحالهم في أراضيه، فلا تكاد أجنحة المعرض تخلو من كلمات عربية، فيما آثرت أخرى أن تزين جدرانها الخارجية بحروف اللغة العربية، لتبدو بمثابة دلالة على كونها جزءاً من الهوية العربية وثقافتها.

في جعبتها، تحمل اللغة العربية ملايين الكلمات التي تقوم على أكتاف 28 حرفاً، وفي إكسبو 2020 دبي، كانت بعض هذه الكلمات حاضرة على الأرض، كما الحب والسلام والاستدامة، والتي شكلت حروفها مقاعد، لاستكشاف ملامح الثقافات التي حطت رحالها على أرض الحدث، لتبدو رحلة الزوار مليئة بالمعرفة المستدامة، التي أقام لها الحدث الدولي قواعد وجناحاً خاصاً.
بين أروقة الحدث الأروع عالمياً، سكنت اللغة العربية، وتجسدت في 50 مقعداً رخامياً، تم تصميمها لتوفر مساحة للتأمل في محيط المكان الذي يرفل بالجمال، وأخرى لحث الناس على النقاش والتواصل، الأمر الذي يجسد فكرة التنقل في الأفكار بين جموع الزوار.
اهتمام المعرض الدولي بلغة الضاد، يترجم حجم الاهتمام الذي تبديه الإمارات بلغتنا الأم، ليؤكد الحدث الدولي، أن «اللغة هي أداة تواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة»، فضلاً عن كونها تمثل جزءاً من شخصية الأمة والحضارة الإنسانية العربية، الاحتفاء بلغة الضاد لم يكن قاصراً على حدود اللافتات الإرشادية، والإعلانات الصوتية التي يضج بها المكان.
وإنما اتسع ليشمل أيضاً أروقة الأجنحة الدولية، التي اهتمت بالتعريف عن ثقافتها باللغة العربية، فضلاً عن ذلك، فقد أتاح الحدث، الفرصة لزواره، لتذوق «حلاوة» اللغة العربية، عبر نص اقتبسه من كتاب «النبي»، للأديب الراحل جبران خليل جبران، الذي يدعو فيه إلى أهمية التأمل، وما يحمله بين ثناياه من دهشة «للخروج من ظلمة الأرض إلى نور الشمس»، بكلمات صيغت بحروف عربية، تدعو إلى الحب والوحدة.
في رحاب المعرض الدولي، أقيمت «قمة اللغة العربية»، وتم الاحتفاء باليوم العالمي اللغة العربية، وأكد عليه مجموعة من الفاعلين على الساحة التربوية، الذين استطلعت «البيان» آراءهم، حول مدى اهتمام الحدث الدولي باللغة العربية، وفي هذا السياق، فمن جانبه قال الدكتور ماهر خطاب مدير مدرسة الأهلية الخيرية بعجمان، إن دولة الإمارات أظهرت اللغة والثقافة العربية بأحسن صورها.
موضحاً أن فكرة إكسبو فكرة طموحة إبداعية أحدثت آثاراً إيجابية كبيرة في المجتمع العربي، وأن تجمع العالم كله باختلاف جنسياته ولغاته في بقعة عربية أصيلة ذات تراث عربي له معنى غير عادي وغير مسبوق، وأن الحدث بمكانة اللغة والثقافة العربية، ومنح جميع الدول العربية فرصة توظيف لغتها العربية ولهجاتها لعرض تراثها الأصيل، وهو ما يخلق فضولاً لدى جميع الجنسيات للتأمل في هذا التراث والإقبال عليه لمعرفة الكثير عنه.
وقالت ماري سعد مديرة أولى في التطوير المدرسي بمجموعة جيمس للتعليم: «سلّط تقرير البنك الدولي، الضوء على واقع تعلّم وتعليم اللغة العربية في منطقتنا، والتحديات التي تواجهه، وقد أتى «إعلان اللغة العربية» في «قمة اللغة العربية»، التي عقدت في إكسبو دبي 2020، تأكيداً لنا ولأبنائنا وبناتنا، على أن اللغة العربية، ستحظى بالاهتمام الذي تستحقّه، كونها لغة للحياة».
وبينت ماري أن «البند الثاني من إعلان اللغة العربية، ركّز على تطوير طرق تعليم اللغة العربية، كحاجة ضرورية لتطوير مجتمعاتنا ولنمو اقتصاداتنا». وقالت: «أهمية ذلك تتجلى على أرض الواقع، في ظل سعينا لتطوير عملية تعليم اللغة العربية، وتمكين طلابنا من استخدامها بطلاقة وشغف وفخر».
حضور قوي
ومن جهتها، قالت شاهندة أحمد، مساعدة مدير ومسؤولة المواد الوزارية في مدرسة جيمس البرشاء الوطنية: «عندما زرت إكسبو 2020 للمرة الأولى، لفت نظري الكتابة باللغة العربية على كافة اللوحات الإرشادية والتعريفية، فأينما ذهبت، وفي أي جناح، ستجد حضوراً قوياً للغة العربية، كما أن المقاعد الرخامية مصممة على هيئة كلمات باللغة العربية، وهو ما يسهم في تعزيز اللغة.
والسعي للمحافظة عليها». وتابعت: «بتقديري، استخدام اللغة العربية في حدث عالمي كبير، مثل إكسبو 2020 دبي، يظهر مساهمة عظيمة في فرض مكانة اللغة العربية»، وبينت شاهندة أن «الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، وعقد أول قمة للغة العربية، ما هو إلا مساهمة فاعلة من القائمين على الحدث، لتعزيز مكانة اللغة العربية.
وخاصة إذا ما عرفنا أن محور النقاش فيها، هو مدى قدرة لغتنا العربية على مواكبة التغيرات، وطرح موضوعات تتعلق بالتعليم والتكنولوجيا، وتعريب المحتوى الرقمي، والإنتاج الإبداعي والثقافي، ومناقشة التحديات التي تواجه استخدام اللغة العربية»، معبرة عن أملها بأن يثمر هذا الاهتمام، في تعزيز استخدام اللغة العربية، إقليمياً وعالمياً، ليس فقط في المجال التعليمي، بل في كافة المجالات الأخرى.
جهود
أما سماح عوض مديرة قسم المواد التي تدرس باللغة العربية في أكاديمية جيمس الأمريكية أبوظبي، فقالت: «جهود الإمارات للارتقاء باللغة العربية، وتعزيز مهاراتها، واضحة على الأرض، من خلال سعيها على تفعيل استخدامها في كافة المجالات»، مبينة أن المعرض العالمي، قد جسد دور الإمارات الجوهري المستمر، في تعزيز اللغة العربية، والمساهمة في خلق بيئة مناسبة محفزة على استخدامها، قائلة بأن ذلك «انعكس بشكل إيجابي على تفعيل التواصل بلغتنا الأم.
فهذا الحدث العالمي، له بالغ الأثر في نشر اللغة العربية، وتسليط الضوء على تجددها، ومواءمتها للعصر الذي نعيشه»، مضيفة: «ساهم إكسبو، في تسليط الضوء على سبل المحافظة على اللغة العربية وتطويرها، من خلال حرص الأجنحة المشاركة على عرض أهدافها باللغة العربية.
بالإضافة إلى اللافتات، وهو ما يجسد البيئة الحاضنة للغة العربية المتجددة». ونوهت سماح عوض، بأن الحدث الأروع عالمياً، يمثل نموذجاً للبيئة الحاضنة بالنسبة لجميع الطلاب الناطقين باللغة العربية، وغير الناطقين بها، من خلال خلق البيئة المحفزة على استخدام وتعلّم اللغة العربية، وقالت: «لاحظنا إقبالاً ملحوظاً على تعلم اللغة العربية في الآونة الأخيرة، وذلك لأهمية الدور الذي تلعبه عالمياً».
ربط العالم
«الحدث الدولي أتاح للغة العربية أن تلعب دوراً مهماً في ربط العالم»، بهذا الوصف، عبّر موسى الشوبكي رئيس قسم اللغة العربية والتربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية في مدرسة ويسجرين الدولية الشارقة، عن رؤيته لاهتمام الحدث الدولي باللغة العربية، قائلاً: «أثبت إكسبو أن اللغة العربية هي حجر الأساس في التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي في كافة المجالات.
كما تم توجيه الأجنحة المشاركة، على كتابة أهدافها والتعبير عنها باللغة العربية للزوار، وهو ما يبين مدى أهمية هذه اللغة، وتأثيرها على أرض الواقع»، وتطرق موسى الشوبكي في حديثه، إلى احتضان الحدث لدولي لـ «قمة اللغة العربية»، قائلاً:
«هذا الاحتضان، كان كفيلاً لإثبات أن اللغة العربية وعاء لكل المفاهيم والأفكار، عبر كل الحضارات، مع التأكيد على مستقبل اللغة العربية، وترسيخها في شتىّ المجالات، مع بعض التوجّهات، بتعريب المحتوى الرقمي والثقافي، لحماية اللغة العربية، وزيادة انتشارها».


