رسّخ «إكسبو 2020 دبي»، مكانة الإمارات، عبر إطلاق العديد من المبادرات والآليات التي تخدم الإنسانية وكوكب الأرض، في إطار الموضوعات الفرعية «الفرص والتنقل والاستدامة»، وحفز الدول والمنظمات الدولية، على تعزيز التعاون لمواجهة التحديات، وفي مقدمها قضايا التنمية والتغير المناخي ومكافحة الجوع والفقر، وتمكين المرأة ودعم قضية نشر السلام، وتعزيز ثقافة التسامح والتبادل الثقافي والحضاري بين شعوب العالم.

وبهدف الحفاظ على هذه المكتسبات، وديمومة الأثر الإيجابي لإكسبو بإرث دائم، يقدم حلولاً ذكية للقضايا العالمية، اقترح عدد من الخبراء من قطاعات مختلفة عبر «البيان»، التفعيل الدائم للإرث الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للحدث الدولي، عبر تأسيس مركز «إكسبو» للدراسات والأبحاث، لدعم صناع القرار، والمساهمة في بلورة الأفكار، وترجمتها على أرض الواقع.
استراتيجية وطنية
وأوضح الدكتور عيسى البستكي رئيس جامعة دبي لـ «البيان»، أنه لتحقيق الإنجازات في المشاريع الذكية المستدامة، ينبغي أن تكون هناك استراتيجية وطنية، تغطي كل المحاور التي من شأنها أن تحافظ على استمرارية المسيرة التنموية في الدولة، وتقوم على المعطيات المتوفرة في البيئة الإماراتية، وتسخر الإمكانات المحلية الموجودة بكفاءة عالية، وتستفيد من الخبرات العالمية، وبيوت الخبرة وأفضل الممارسات.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للابتكار في الإمارات، تستند إلى تنشيط الابتكار في 7 قطاعات، هي: النقل، والصحة، والتعليم، والمياه، والطاقة المتجددة، والفضاء، والتكنولوجيا، ومن هذا المنطلق، لا بد من إنشاء مركز يعنى في البحث العلمي الأساسي والتطبيقي والتجاري، وهذا هو الأمل والسبيل إلى استدامة الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
وأكد أنه انطلاقاً من هذه الاستراتيجية، يمكن التفكير في إنشاء مركز يعنى بالبحث العلمي في «إكسبو»، بحيث يجمع ويناقش ويوثق، ويبحث في مضامين الموضوعات العالمية، من أجل إحداث تأثير إيجابي فكري واجتماعي واقتصادي وعلمي وبحثي مستدام. وأكد أهمية دور الجامعات في هذه المعادلة، لإنجاح أنشطتها، وتحقيق أهدافها، وتحقيق التوازن في المسيرة التنموية المستدامة، مشيراً إلى دور الصناعة أيضاً في تحقيق اقتصاد مستدام.
وقال: إن القاعدة المتينة التي تبنى عليها كل الحضارات، هي التعليم وجودته، ومن هذا المنطلق، يجب على النظام التعليمي أن يتطور، آخذاً بعين الاعتبار التطورات التكنولوجية في التعليم والتوجهات المستقبلية للتكنولوجيا، وهذا يقودنا إلى البحث عن إمكانية العمل في إجراء طفرة نوعية في التعليم، والتي لا تتبع النظم التقليدية الموجودة في الوقت الحاضر، والتي تتخطى الحدود الجغرافية والزمنية والاستيعابية، لتكون فرصة التعلم في أي وقت وفي أي مكان، ومن أي مكان، ومن أي معلم. وأضاف أن الهدف من التعلم، هو الريادة في البحث العلمي، والارتقاء بالمنظومة البحثية التي تخدم الدولة والعالم.
فرصة
وأشار إلى أن إكسبو يعد فرصة استثنائية لتحقيق الارتقاء بمنظومة البحث العلمي في الدولة، من خلال العمل على إنشاء مركز دراسات وأبحاث، ينطلق من إكسبو دبي، ليناقش ويوثق ويبحث في مضامين الموضوعات العالمية المطروحة في المعرض، والتي ناقشها خلال فترة إقامته، بالاستناد إلى خمسة محاور أساسية، وهي: ثقافة البحث العلمي، والجامعات، والصناعة، والقطاعين الحكومي والخاص. وفي ما يخص المحور الأول، أوضح أن البحث العلمي التقليدي، لا مكان له في تطوير الاقتصاد وتنميته، لذا، لا بد من تغيير ثقافة البحث العلمي، بناءً على تفعيل مبدأ مطابقة أصحاب المصالح، والتعرف إلى مسؤولياتها، وكذلك القيام بالتخطيط لأنشطة وفعاليات موائمة لثقافة الأبحاث والتطوير. وهنا، يأتي دور الجامعات في البحث عن مجالات بحثية قابلة للتطبيق وتطوير التعاون في ما بين المؤسسات الجامعية المحلية والعالمية لإنتاج المعرفة، وإيجاد آليات ومبادرات لنقل المعرفة، مثل المختبرات، الحاضنات، وأبحاث تطبيقية تجارية.
وأضاف أنه يجب التعرف إلى احتياجات ومتطلبات الأبحاث التطبيقية وربطها بالصناعة، مشيراً إلى دور القطاع الحكومي والخاص، ومسؤوليته الاجتماعية في توفير التمويل للأبحاث العلمية. وشدد على أهمية إحداث نقلة نوعية في ثقافة ومفهوم البحث العلمي، عن طريق خطط تنفيذية واستراتيجية عالية الجودة، ونشر الوعي المجتمعي لمفهوم الثقافة البحثية الحديثة، متماشياً مع خطة الطفرة التعليمية، والنتيجة ستؤول إلى منتجات صناعية إماراتية، وبراءات اختراع تصدر للخارج.
وحول شروط مواكبة العصر المعرفي العلمي الذكي، وبناء الاقتصاد المعرفي المبني على البحث العلمي، أوضح أنها تكمن في بناء الأساس المعرفي العلمي، وإعداد القاعدة البشرية المعرفية المسلحة بالعلوم الأساسية والتطبيقية، لافتاً إلى أن الإمارات رسمت خطة استراتيجية متزنة، لبناء هذا الأساس، كما رسمت خطة بعيدة المدى، حيث أسست البنية التعليمية المتقدمة، وشبكات النقل والاتصالات والشبكة المعلوماتية، وهيأت بيئة المال والأعمال، وحققت إنجازات تقنية عالية، في مدة زمنية قصيرة، ساهمت في أن تصبح الإمارات مثالاً يحتذى بها في جميع المحافل.
وأشار إلى أن العلم يتقدم بصورة مستمرة، ما يفرض على الدول أن تنمي قدراتها التقنية، وتطور خدماتها الأساسية، وتشجع علماءها في الارتقاء بمهاراتهم العلمية، لافتاً إلى أنه يتوقع تطورات سريعة، وحدوث طفرة في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا لا حدود لها، مثل العدسة اللاصقة للعين، والتي بدورها ستوفر للشخص كل المعلومات الممكنة عن شخص آخر حين اللقاء، في حال لم يتذكره، خاصة إذا كان المدى الزمني بين اللقاءين طويلاً.
نجاحات
وقالت حبيبة المرعشي عضو مؤسس ورئيسة مجموعة عمل الإمارات للبيئة، إن البناء على النجاحات الكبيرة التي حققها معرض إكسبو، أمر في غاية الأهمية، موضحة أن إنشاء مركز دراسات وأبحاث لإكسبو، مطلب ضروري، شريطة حشد جمع من ذوي المهارات العالية، والباحثين ذوي الخبرة والإنتاجية، والمحللين والخبراء، لضمان تحقيق المركز أهدافه، وإنتاج بحوث عالية الجودة، تتميز بقابلية الوصول إلى صناع القرار.
وأضافت: إن فكرة إنشاء هذا المركز مميزة جداً، خاصة أنه سيلعب دوراً مهماً في متابعة تنفيذ مخرجات جميع النقاشات في الموضوعات التنمية المستدامة، فضلاً عن كونه سيتخطى دور مراكز البحوث التقليدي بإصدار البحوث والدراسات والتحليلات، لتزويد صانع القرار بالمعلومات والتحليلات المختلفة، ليلعب بذلك دوراً فاعلاً في عملية صنع القرار.
وأوضحت: نجح المعرض منذ انطلاقه، في ترسيخ مكانته كواحد من أفضل معارض إكسبو عالمياً، حيث جمع واستقبل زواراً من أكثر من 200 دولة، وجدوا فيه معلماً يتعدى حدود فن العمارة والعرض، ويصل بمرتاديه إلى آفاق أرحب من البحث والتفكير، من خلال ما انطوت عليه فعالياته من موضوعات، ناقشت بحضور خبراء دوليين، أكثر القضايا العالمية الملحة، التي تستدعي تضافر الجهود لإيجاد الحلول لها، والتي يأتي على رأسها، الأسابيع البيئية التي سلطت الضوء على أهمية التنمية المستدامة، وضرورة محاربة ظاهرة الاحتباس الحراري، وشح الموارد ومكافحة الأوبئة، وغيرها من مواضيع الساعة الملحة.
وتابعت: إن المعرض العالمي، حقق الشعار الذي رفعه، والمتمثل في «تواصل العقول وصنع المستقبل»، بعد أن وفر منصة لتبادل الأفكار المبدعة، وتبني الحلول الخلاقة لكافة التحديات التي تواجه العالم، والعمل على ترسيخ مستقبل مستدام في العالم، مبينة أن الإمارات فتحت ذراعيها من خلال المعرض، لبدء مرحلة جديدة من العمل الدولي الجماعي، لمواجهة التحديات المشتركة، وتبني الأفكار الخلاقة، والعقول المبدعة، من أجل ترسيخ مستقبل مزدهر ومستدام للبشرية جمعاء، وتسليط الضوء على عدد من الموضوعات العالمية.
فكرة رائدة
وقال التربوي الدكتور حمادة العنتبلي، ان إنشاء مركز دراسات والأبحاث فكرة رائدة، تسهم في تعزيز ريادة الإمارات بشكل عام، ودبي بشكل خاص، لكي تكون الإمارة دائماً جاذبة للعقول، ويكون إكمالاً للاستثمار في بناء الإنسان، والذي أكدت عليه رؤية الإمارات 2021، في بناء اقتصاد تنافسي معرفي، مبني على الابتكار، كما أنه يعزز الدور الريادي الذي استهدفته دبي في خطتها 2021، وخطتها الحضارية 2050.
وأوضح أن هذا المقترح، سيساعد في إكمال البناء الذي أرسى قواعده إكسبو بشعاره «تواصل العقول وصنع المستقبل»، والذي شهد كماً هائلاً من الموضوعات التي تم طرحها في كل ركن من أركانه، وتناولت القضايا والتحديات التي تشغل العالم أجمع، وتم فيها استعراض آراء الخبراء من جميع أنحاء العالم، فكان جاذباً للعقول وصناع الفكر والرأي، لتقديم حلول ومقترحات، تتبناها الدول والحكومات، وتعمل على تطبيقها.
وتابع: تم في إكسبو، استعراض قضايا التنمية المستدامة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، وحقوق الإنسان، وبناء وتكامل المجتمع، وآليات صنع المستقبل، والعديد من القضايا ذات الأثر العالمي، ونظراً لكون البحث العلمي، هو مفتاح تقدم الأمم ووسيلتها للنهضة، لأنه يناقش القضايا المختلفة التي تشغل المجتمع وتؤثر فيه، ويعمل على إيجاد الحلول العلمية لها، فمن الأهمية بمكان، أن يكون هناك مركز لدراسات وأبحاث لإكسبو.
وذكر أن هذا المقترح، سيكون لديه بالتأكيد أجندة حافلة بالموضوعات والقضايا التي ستجعل من إكسبو منصةً عالمية، يلجأ إليها الباحثون من جميع أنحاء العالم، وتترجم شعاره، فنظراً لتنوع القضايا التي تم طرحها في إكسبو، ستكون هناك أرض خصبة للبحث العلمي، ليكون منارةً للعالم أجمع، تنطلق منه الحلول العلمية الموثوقة للعديد من المشكلات التي ظلت تؤرق العالم أجمع لعقود طويلة.
وقال إن هذا المركز، بمثابة رافد أساسي للمؤسسات التعليمية في الدولة، وحاضن للأفكار العلمية والإبداعية، ويقدم العديد من الفرص التي تسهم في إكمال رسالة المؤسسات التعليمية على كلفة المستويات، إذ يمكن للمؤسسات التعليمية، سواء على مستوى التعليم الجامعي والدراسات العليا، أو حتى التعليم ما قبل الجامعي، أن يستفيدوا منه، من خلال اعتباره ميداناً تطبيقياً، يستطيع الطالب فيه تطبيق ما تعلمه بشكل ميداني، يكتسب فيه الخبرات من باحثين ذوي ثقل في كافة التخصصات العلمية، ويسهم في بناء جيل قادر على مناقشة كافة القضايا التي تشغل المجتمع والعالم، إذ يمكن أن يضم هذا المركز أقساماً تستعرض أفكار الباحث الصغير في المراحل التعليمية الأولى، بتوجيه ومساعدة خبراء في المجال الذي سيتبناه الطالب، بالإضافة إلى أقسام لتعزيز القدرات والقضايا المجتمعية، كما أنه سيكون موجهاً لاستراتيجية البحث العلمي في الدولة، نظراً لما يمتلكه من حصيلة ضخمة من القضايا والموضوعات والحلول التي طرحت على مدار إكسبو.
تميز عالمي
وفي السياق ذاته، قالت غدير أبوشمط نائب الرئيس لشؤون التعليم في مجموعة «جيمس للتعليم»، ومديرة مدرسة جيمس الخليج الدولية، إن فكرة إنشاء مركز دراسات وأبحاث لإكسبو، فكرة إبداعية، وتستحق الدراسة، حيث إن هذا الحدث، يعتبر من أهم الفعاليات العالمية، وهو مستدام، كفكرة مبنية علي إقامة إكسبو عالمياً، وبما أن هذه الفكرة لإنشاء مركز دراسات وبحوث مرتبطة بإكسبو دبي، والذي قدمت فيه الإمارات تميزاً عالمياً، فإن هذه الإضافة النوعية، ستسهم في تعزيز الإنجازات العالمية في التنمية المستدامة.
وأضافت أن مشاركة البحوث عن طريق هذا المركز، ستعزز دور الإمارات في مجال البحث والدراسات، كما سيسهم في إكساب شباب الإمارات مهارات عالية في المشاركة المحلية والعالمية، ما يؤدي إلى إحداث تأثير في المجال الفكري والبحثي، ويعزز الإرث الاقتصادي والاجتماعي والحضري للحدث المميز في الإمارات.
