انطلاقاً من المقولة الشهيرة للعالم ألبرت اينشتاين: «لو اختفى النحل بالكامل من الأرض، لن يستطيع البشر العيش لأكثر من 4 سنوات»، حيث يعد النحل شريك استدامة حياة البشرية، لما يقوم به من أدوار تعزز استدامة الغذاء، فهو المسؤول بشكل غير مباشر عن إنتاج ثلاثة أرباع المحاصيل الزراعية بالعالم.

وتزخر بيئة دولة الإمارات بالكثير من الثروات، التي تعكس تنوع طبيعتها، أسهمت في تنوع إنتاجها من العسل وتحولت المناحل إلى مورد للدخل وعامل جذب سياحي، يقوم على خيرات طبيعية، ويعكس مساهمتها في استدامة الحياة لجميع البشر.

وتعتبر الإمارات بيئة ملائمة لتربية النحل، وبناء على ذلك، تعمل الجهات المعنية على إنشاء سلالة محلية، تُعرف باسم «الملكة الإماراتية»، والتي يمكن أن تحافظ على البيئة المحلية.

وبحسب أرقام الجمعية العربية لتربية النحل، يوجد ما يزيد على مليون و200 ألف خلية نحل في الإمارات، ويتم إنتاج آلاف الأطنان من عسل النحل سنوياً للاستهلاك المحلي والتصدير، وتقام سنوياً العديد من المعارض والمهرجانات الخاصة بهذا المجال.

تجربة «إكسبو»

قدم «إكسبو 2020 دبي» نموذجاً في حماية مستعمرات نحل، وجدها العاملون في الموقع أثناء عمليات البناء ونجحوا بنقلها إلى مكان آمن في خلية جديدة في المدينة المستدامة في دبي، بالتعاون مع جمعية حماية النحل.

وأفادت دينا ستوري مديرة عمليات الاستدامة في «إكسبو»، إن استراتيجية الحدث العالمي شددت منذ البداية على أهمية الاعتناء بكافة أنواع الحيوانات أو الزواحف، التي وجدت في موقع إكسبو أثناء التشييد، مؤكدة منع استخدام أي مبيدات كيميائية في الموقع.

وأوضحت أن استراتيجية إكسبو تضمنت عدة أهداف متطورة لم تكن موجودة في أي نسخة سابقة من معارض إكسبو، والتي تشدد على أهمية الاهتمام بالحيوانات والنباتات، لذلك حرص إكسبو على تعريف الزوار بالأنواع، التي وجدها فريق إكسبو أثناء التشييد من خلال عمل مجسمات في أروقة إكسبو، تحمل معلومات مفصلة عن كل كائن حي وجد في الموقع، وكان من أبرزها وجود 40 خلية نحل بري، وخلية واحدة للنحل المنتج للعسل من نوع «أبيس ميليفيرا»، ومن المعروف أن النحل البري يستخدم في تلقيح النباتات، وليس جميعه منتجاً للعسل.

نوعان من النحل

ونفذ الفريق البيئي العامل على تطوير الموقع عام 2016 عملية النقل من موقع إكسبو إلى حديقة نحل جمعية مربي النحل، ضمن المدينة المستدامة، ومنذ ذلك الحين، يزور فريق إكسبو الخلية لجني العسل وتعبئته في عبوات خاصة موسومة بعلامة إكسبو 2020.

ولفتت دينا ستوري إلى أن فريق إكسبو اكتشف نوعين من النحل في الموقع، أولاً النحل البري، والنحل المنتج للعسل «أبيس ميليفيرا»، وهو نحل من خارج الإمارات، وتم نقل الخلايا إلى المدينة المستدامة، وتوالت الفرق على زيارتها بالإضافة إلى السماح لموظفي إكسبو وعائلاتهم لزيارة النحل، وتم عمل أكثر من حملة توعوية للتعريف بأهمية النحل في بيئتنا.

وتابعت: كان لدينا ملكة واحدة فقط في 2016، وأصبح لدينا 4 خلايا حالياً، ويستخلص منه عسل يحمل علامة إكسبو، وهذا يتم منحه لكبار الزوار، وتم اقتطاف أول قطفة في 2018 بواقع مرتين بالسنة، حيث تم استخلاص أكثر من 400 عبوة تحمل علامة إكسبو منذ اكتشاف النحل.

النحل الرحّال

وذكرت ستوري: إن نحل العسل من الملقّحات الأساسية، إذ يؤدي دوراً محورياً في الإنتاج الزراعي، في وقت يتراجع فيه عدد مستعمرات النحل في العالم، وبات الحفاظ عليها ضرورياً، لضمان الإمدادات الغذائية للعالم، وتجسد عملية إنقاذ الخلية ونقلها إلى مكان آمن جهوداً ذات نطاق أوسع لحماية التنوع الحيوي في إكسبو البالغة مساحته 4.38 كيلو مترات مربعة.

وأكدت ستوري أن النحل البري يتغذى على الأشجار الموجودة في البر، وهذا النحل تحديداً ينتقل من مكان إلى آخر بشكل تلقائي، حيث يعرف باسم «النحل الرحال»، أما النحل المنتج للعسل فهو يتغذى من الأشجار المتواجدة في أروقة إكسبو، كما أن أشجار إكسبو جذبت العديد من الحيوانات والزواحف والطيور.

النحل والغذاء

من جهتها، قالت زهيرة نجراوي، رئيسة ومؤسسة «مؤسسة النحل في الإمارات»، إن النحل يمثل الاستدامة في الغذاء إذ يزيد من قيم المحاصيل في البلدان بشكل كبير، وترتبط الاستدامة في إنتاج الغذاء ارتباطاً مباشراً بحقيقة أن النحل هو أفضل ملقّحات في الطبيعة، مشيرة إلى أن قدرتها على التعرف على نفس النوع من الأزهار والبحث عنه وزيارته خلال فترة التفتح تجعلها أكثر موثوقية مقارنة بالملقحات الأخرى، التي تبحث فقط عن أي زهرة تحتوي على رحيق، وخاصة أن النحل يزور العديد من الأزهار في وقت قصير نسبياً. وأوضحت أن مؤسستها منظمة غير ربحية تركز على التعليم وتربية النحل المستدامة، تهدف إلى زيادة الوعي بأهمية النحل من خلال البرامج التعليمية مثل دورات تربية النحل والزيارات المدرسية وورش العمل العامة، ومفيدة ووجود حديقة نحل تعليمية، تقع في المدينة المستدامة، وتركز جميع الأنشطة على توضيح دور النحل والملقحات في سلسلتنا الغذائية وماذا سيحدث إذا لم يعد لها وجود.

ولفتت إلى أن ما تحاول مؤسستها القيام به هو إعطاء وسيلة للبالغين والأطفال للاقتراب من النحل ومساعدتهم على التغلب على خوفهم الغريزي، عندما يكونون على اتصال وثيق بهم، ويكتشفون مدى روعة التنظيم الاجتماعي لمستعمرة النحل ويفهمون كيف أننا جميعاً مترابطون بشكل متبادل.

أنواع النحل

وأكدت وجود نوعين من النحل المنتج للعسل وهو منتشر في الإمارات، النحل المحلي البري، مثل النجار أو نحل قطع الأوراق، ونحل العسل المستورد المُدار لإنتاج العسل والتلقيح، كما أن هناك أيضاً نحل بري غير محلي منشأه آسيا، وينتشر على نطاق واسع في دولة الإمارات، ونحل العسل القزم الأحمر، وهذه هي أنواع النحل التي يبلغ عنها السكان عادة لأنها تعشش في ساحات منازلهم.

وذكرت أن حقيقة ازدهار النحل في الإمارات وخاصة في المدن ذات المناظر الطبيعية الكثيفة يعد مؤشراً إيجابياً على أن الإمارات توفر بيئة مناسبة للنحل، وبناء على ذلك، تعمل الجهات المعنية وخاصة المتخصصة في الزراعة وسلامة الغذاء على إنشاء سلالة محلية، تُعرف باسم «الملكة الإماراتية»، والتي يمكن أن تحافظ على البيئة المحلية، وستقلل بالتالي من استيراد النحل من الخارج، وذلك لمنع أي تلوث وإعطاء الفرصة للأنواع المحلية للازدهار وتطوير خصائص الدفاع عن النفس الخاصة بها.

وحول دور المؤسسة في حماية أنواع النحل، أفادت بأن المؤسسة طورت تقويماً للنباتات الغنية بحبوب اللقاح والرحيق، وتبحث حالياً على شركاء لنشره حتى تكون نباتات الإمارات مفيدة لجميع الملقّحات، بالإضافة إلى إطلاقها لبرنامج تدريبي لشركات مكافحة الآفات وتنسيق الحدائق لتعليم كيفية نقل أعشاش النحل البري بشكل أخلاقي.

رعاية مستدامة

وبالنسبة لصناعة تربية النحل، قالت: إنه من المهم تدريب النحالين على كيفية رعاية أسر النحل بطريقة مستدامة، والحفاظ على صحتها، وجعلها تزدهر، وفي النهاية زيادة عدد خلايا النحل، وفي الوقت الحاضر على مستوى العالم، ازدادت أهمية النحالين، بسبب الزيادة المستمرة في المناطق الحضرية، لذا فإن الطريقة الوحيدة لوجود النحل في هذه المناطق هي وجود مربي النحل. وحول العناية بنحل إكسبو، أوضحت أن النحل الذي تم إنقاذه من موقع إكسبو من عرق مختلط، ويتميز بمرونته ويزدهر بشكل كبير، موضحة أن هذا ينطبق بشكل خاص على الأسراب، التي يتم جمعها عن طريق الصدفة، حيث عادة ما تتمكن العائلات القوية فقط من التجمع بشكل صحيح، والبقاء على قيد الحياة لفترة معينة دون إدارتها.

وأوضحت أن المؤسسة تطبق مبادئ تربية النحل المستدامة لرعاية مستعمرات النحل، ويتم فحصها وإطعامها ومعالجتها بانتظام عند الضرورة، وخلايا إكسبو مزدهرة وتطورت بالفعل إلى 4 مستعمرات.

ويقوم فريق إكسبو بزيارتها وحصاد العسل الثمين، وهو عبارة عن عسل أزهار مختلط، بشكل أساسي من الزهور والأشجار المزروعة في المدينة المستدامة، والمناطق المحيطة بها.

يذكر أن محميات العسل تنتشر في مختلف بقاع دولة الإمارات المخصصة للنحل والعسل، أبرزها «حديقة النحل» التي تقع بين جبال حتا وتحيط بها أروع النباتات والحيوانات، كما تسهم في تسليط الضوء على دور النحل وأهميته للبيئة.