تمتلك إسبانيا أسرار الجمال، ذلك الكامن في وجوه فتياتها وبين أروقة طبيعتها، تقع في «هواها» منذ اللحظة الأولى، لتجد نفسك أسير هذا البلد النابض بالحياة، الواقف عند حدود البحر، وعلى رؤوس الجبال، فيه تشعر باللمسة العربية التي تزين ملامحه وبالحضور الأوروبي، له موسيقى ساحرة تنبض بالحياة والحيوية، وله رقصات تذيب النفس مع كل نقرة على الخشبة، من بين شوارعه خرج عرض (Invocation) الذي تسكن الروعة بين ثناياه، حيث يتحول في لحظة إلى «دراما راقصة» لا تتوقف فتياتها ورجالها عن الحركة، في لحظة يقفون على رؤوس أصابعهم، ويرفعون أيديهم نحو السماء في محاولة منهم للإمساك بخيوط الهواء ويحركونها بطرق تعبيرية خالصة، يتركون فيها للجمهور حرية التفكير، وتفسير الحركات والمشهد الراقص.
عرض تغلفه الرشاقة، وتكثر فيه الإيماءات، يتوسد الباليه بكل سحرها وجمالها، ويقدم رؤية حداثية للرقص الإسباني، حيث يغادر حدود الباليه ليحط رحاله في أراضي فنون أخرى، كما رقصات الفلكلور الإسباني، والفلامنغو المفعم بالحيوية، بينما تطل من بين قسماته الموسيقى العربية. ذلك العرض الذي حملته فرقة الباليه الوطنية الإسبانية على كتفيها بدا ساحراً على الخشبة، فتحت ظلاله جمع بين 40 راقصاً وراقصة، ممن يحترفون أصول الباليه، حيث تبدو أعوادهم طرية، تسكنها الرشاقة وخفة الحركة، التي مكنتهم من تقديم عرض جمع بين الرقص الكلاسيكي والمعاصر، ونجحت الفرقة من خلاله في الخروج برؤية حداثية خاصة.
جماليات عرض الباليه الإسباني، تجسدت واقعاً أول من أمس على خشبة مسرح اليوبيل، فيه أطل ماريو مايا برقصاته التعبيرية المختلفة، حيث قدم عرضاً ساحراً، توسد كافة عناصر المفاجأة، بعد جمعه بين تقنيات البالية والرقص التعبيري والفلامنغو، ليزيد أعضاء الفرقة التي تعد من أفضل فرق الباليه عالمياً «جرعة السحر» من خلال تقديمهم لوصلات سكنها الجمال، كونها تقوم أساساً على أساليب الرقص الإسباني المتنوعة، بدءاً من الفلامنغو ومروراً بالفلكور الذي يختلف من منطقة لأخرى في إسبانيا، والرقص الكلاسيكي الإسباني وليس انتهاءً بالرقص الإسباني المنمق، وهو ما جعل العرض يخرج عن حدود «كلاسيكية الباليه الرومانسية»، ولعل ذلك ما يميز العروض التي دأبت فرقة الباليه الوطنية الإسبانية على تقديمها، لتبدو أشبه بلوحات فنية معقدة، نابعة من طبيعة الحركات المعقدة والرشيقة التي قدمها أعضاء الفرقة على الخشبة.
العرض الإسباني تمدد على الخشبة مسافة ساعة ونيف، خلالها استطاع أعضاء الفرقة أن يقدموا عرضاً حمل بين ثناياه الكثير من الروعة، وقد زاده سحراً توسده ايقاعات موسيقية، جلها له لسان شرقي، وأخرى غربية الهوى، والتي قدمتها الفرقة الموسيقية المؤلفة من 9 موسيقيين لكل واحد منهم «هواه» الخاص في الإيقاع الموسيقي الذي لم يغب عنه الصنجات والغيتار الذي حضر بقوة على الخشبة، ليعكس جانباً من الجمال الذي يسكن الموسيقى الإسبانية.

