على طول تاريخها اختبرت الإنسانية أشياء كثيرة، ومضت في دروب عدة أخرجتها من حدود البدائية نحو التطور، لتقودها إلى اختراق حدود الأرض ومعانقة الفضاء، ذلك التاريخ ليس هيناً، فعمره طويل، ويتمدد على صفحات كثيرة تقدر بالملايين، ولكن في حدود معرض إكسبو 2020 دبي، فتاريخ التنقل تجسّد واقعاً على جدارية طويلة، زخرفت حيطان جناح التنقل – ألف، لتلخص على امتدادها نحو 45 محطة مرت بها البشرية وصاغت خلالها عملية التنقل، التي ترجع إلى الوراء كثيراً، مسافة تقدر بنحو 4000 عام قبل الميلاد، وتستمر حتى مسبار الأمل الذي أطلقته الإمارات خلال 2020، لتدخل من خلاله سباق الوصول إلى المريخ.
جدارية التنقل طويلة، ليست هينة، جميلة جداً، تحمل بين ثناياها تفاصيل كثيرة توثق لحركة التاريخ وعملية ابتكار الطرق قبل الميلاد بنحو 4000 عام قبل الميلاد، عندما سمحت الطرقات المرصوفة بالحجر للناس بالتنقل، الأمر الذي أسهم في تسهيل عملية السفر والتواصل بين مجتمعات الإنسانية. ابتكار الطرق كان المحطة الأولى التي انطلق منها الإنسان في دروب تاريخ التنقل والحركة والتطور، فيما توضح جدارية التنقل كيف راكم الإنسان خبراته وعمل على توظيفها في مجال ابتكار الملابس واستخدام جلود الحيوانات ليؤمن لنفسه الدفء، في وقت وظف فيه خبرته في الصيد ليؤمن لنفسه المأكل والمشرب.
تفاعل بشري
الجدارية توضح أهمية ابتكار الطرق مع بداية التاريخ، فقد بات كسر حاجز العزلة ممكناً، وافتتح الطريق أمام الاكتشاف و الاستطلاع والاطلاع على الجوار، فكانت اللبنة الأولى لنهضة الحضارات هو التفاعل البشري عبر الطرق الأولى التي خطها الإنسان حين كان المشي على الأقدام لا يزال الوسيلة الوحيدة للتنقل، وما صاحب ذلك من ابتكار الأحذية التي حسنت من قدرة الإنسان على التنقل، حيث تكشف لنا الجدارية أن الإنسان عرف الأحذية قبل 3500 عام قبل الميلاد، ليقوده ذلك إلى اكتشاف عملية استئناس الحيوانات، التي مثل استخدامها في عملية التنقل والسفر مرحلة جديدة في مسيرة هذا التاريخ الطويل، حيث عرف الإنسان الطرق المعبّدة في عام 117 بعد الميلاد، تلك شكلت المرحلة الخامسة من الجدارية، التي حاولت أن توازن بين الابتكارات المتعلقة بالتنقل وبين حياة الإنسان، لتشير إلى أن الخيل العربي والجمال ذات السنام الواحدة كانت من أبرز الحيوانات التي اتخذها الإنسان وسيلة للتنقل، فيما وظف الكلب السلوقي في عملية الصيد.
الحصان العربي ومن بعده المنغولي لعبا دوراً مهماً في هذه العملية التي تكشفها الجدارية، وتبين للناظر إليها كيف أسهم ابتكار العربة ذات العجلتين والعربة التي تدفع باليد في تمكين البشر من نقل البضائع بسهولة، لتقدم الجدارية نموذجاً ثرياً بالتفاصيل الدقيقة التي تبين عملية التحول المتعلقة بابتكار العربات، ويعود إلى عام 132 بعد الميلاد.
تأثيرات هائلة
بين ثناياها تعرض الجدارية مقصورة مطلية بالبرونز، تعود إلى عام 700 ميلادي، ذلك النموذج كفيل بفتح العيون على ما أحدثته العربات من نقلة نوعية، لدرجة وصلت إلى الاهتمام بعملية تزيينها وزخرفتها، لا سيما في بلاد الصين التي اكتشفت فيها المقصورة المطلية بالبرونز، التي عرفت لاحقاً باسم عربة سلالة تانغ. لم تقتصر الجدارية على استعراض ما أحدثته الطرق واستئناس الحيوانات من تحول في حياة الإنسان، لتمضي نحو وسائل أخرى مثل القوارب، فتكشف لنا عن تصور خاص لقارب الكنو الذي اكتشف بالقرب من قرية بيسة الهولندية، ويعتقد أنه أقدم قارب عرفه العالم، حيث يعود تاريخه إلى الفترة بين عامي 8040 و7510 قبل الميلاد. والأمر ذاته انسحب أيضاً على الجسور التي عرفها الإنسان خلال الفترة بين عامي 1600 و1100 قبل الميلاد، فيما تشير الجدارية إلى أن تاريخ أقدم جسر يستخدم حتى اليوم يعود إلى عام 850 قبل الميلاد.
على طول الجدارية تتمدد محطات التنقل ووسائلها، بدءاً من زلاجات الكلاب القطبية ومروراً باختراع المنطاد، وتشير الجدارية هنا إلى منطاد «روح دبي» الذي بناه مصممون بريطانيون وحلقوا به عام 2006 من لندن إلى دبي، فيما تكشف لنا الجدارية عن تفاصيل دراجة بيني فارتينغ، التي تعد أول آلة يطلق عليها تسمية دراجة ثنائية العجلات، وكان ذلك في عام 1880، بينما تستعرض بين ثناياها بعضاً من ملامح تاريخ الطيران، لتكشف عن تصاميم آلة دافنشي للطيران التي عرفها الإنسان أوائل القرن السادس عشر، والتي كانت مقدمة لتطور عالم الطيران وصولاً إلى طائرة إيرباص إيه 380 التي أطلت برأسها في 2005، فيما عرف دراجات السكوتر في 1817، ليكون المستقبل متمثلاً في ابتكار قطار «هايبر لوب» فائق السرعة، حيث يسير هذا القطار في أنبوب مفرغ من الهواء بسرعة لم يألفها الإنسان من قبل.
صناع الجدارية لم يغضّوا الطرف عن رحلة الإنسان إلى الفضاء بدءاً من اللحظة التي انطلقت فيها مركبة الفضاء أبولو 11 في رحلة تاريخية عام 1969، لتحط على سطح القمر، ووصولاً إلى مسبار الأمل الذي انطلق في 2020، في رحلة تاريخية تقودها الإمارات لتصل إلى المريخ.




