لا تكاد السماء تقطر مطرها، حتى يشعلنا الحنين إلى صوت فيروز، نصغي لها، ونردد معها «رجعت الشتوية»، نحب هذه الأغنية كثيراً، ونعيش لحظاتها، وقد تلبدت السماء بغيوم حبلى بالماء، تذكرنا تلك الأغنية بالأخوين الرحباني، وحكاية عشق مع حبات مطر تسيل على زجاج البيوت في ليلة باردة، تبدو فيها الشبابيك تبكي فرحاً، نتذكر معها تلك العصفورة التي تجوب الساحات، وقد «نذرها أهلها للشمس والطرقات»، ونحن نتحلق حول موقد لا تكف نيرانه على طلب المزيد من الحطب، لتمضغه جيداً، تحرقه، وتحوله إلى رماد، يتأرجح لونه بين الأسود والرمادي. في لحظات البرد، يحلو التحلق حول المدفأة، بعضنا يختارها كهربائية، وآخرون يفضلونها نوعية تعمل على الغاز، فيما آخرون يرون في مدفأة النار لحظة عشق خاصة، وحنيناً لأيام خلت، يتحلقون حولها، ويرفعون أيديهم أمام ألسنتها، بينما ألسنتهم تلهج بغناء «رجعت الشتوية»، ذلك الحنين يجدده معرض إكسبو 2020 دبي، الذي أشعل النار في موقد، وقد زاده خشباً مطعماً إياه، ليظل مشتعلاً، ليشعر كل من تحلق حوله بـ «دفء إكسبو»، الذي يبدو أشبه بـ «معطف مخملي اللون».
لوحة تشكيلية
حول موقد إكسبو، يتحلق الناس، يطلقون العنان لأفكارهم وعيونهم، ليبدو أن «للحنين فصل مدلل هو الشتاء»، كما قال الراحل محمود درويش يوماً ما، وهو الذي كان ينحني للشتاء احتراماً، حيث يبدو المطر «كنداء يزف إلى العاشق». موقد إكسبو، تطلب مزيداً من الحطب، يطعمها الناس، وأولئك الذين اختاروا المكان طلباً للدفء، وللراحة بعد جولة طويلة بين أجنحة الدول وأروقتها، تشبعت فيها أقدامهم بالتعب، وغمرت قلوبهم السعادة، بينما تبللت ثيابهم وعروق المكان بقطرات المطر، الذي نزل خفيفاً ناعماً عليهم، لينقي أرواحهم ويروي ظمأ الأرض، مشكلاً منها لوحة تشكيلية لا ينقصها شيء، سوى إطلالة قوس قزح بألوانه الزاهية.
تقليد سنوي
يسدل الليل ستائره على المكان، فيتحول الموقد إلى أشبه بـ «قبس نور»، يهتدي إليه كل من تلفحه «رياح البرد»، التي هبت على المعرض الدولي، لتقود درجات حرارته نحو الأسفل قليلاً، بينما العيون تعلو فجراً نحو السماء، لتراقب طلوع نجم «إكليل العقرب» من الجهة الشرقية، حاملاً معه دخول البرد، وموسم «المربعانية»، وعدد أيامها 40 يوماً، فيها يتوغل البرد، ويزداد خير المطر، وينبت ربيع الأرض بعشبه وكلئه، بعد أن تكون الأرض قد تشبعت بقطرات الشتاء.
يقع معرض إكسبو 2020 دبي، وسط الصحراء قليلاً، حيث تتدنى درجات الحرارة شتاءً. في تلك المنطقة، يشرع الحدث الأروع عالمياً، بواباته الضخمة أمام رياح الليل، التي يعشق الناس برودتها، لتطفئ ما حملته أجسادهم من «حرارة الصيف اللاذعة»، التي تشبعت بها خلال أشهر الصيف، في تلك المنطقة، وبقية مناطق «البر»، يبدو الموقد تقليداً سنوياً، يحبه رواد البر، يتحلقون حوله، فيكون ملاذاً لهم، ولحظات تمكنهم من سرد حكاياتهم العتيقة، ويبوحون بما تحمله خزائن ذاكرتهم من أسرار وحكايات، ولحظات فيها الكثير من الجمال.
يشعل إكسبو دبي، في كل ليلة، نيرانه في ذلك الموقد، ليلبس زواره ثوب الدفء، بينما يفتح «صقر» جناح الإمارات، أجنحته تارة، ويخبئها تارة أخرى، ليحط بالقرب من الناس، وأولئك الذين يتحلقون حول الموقد، يشعرهم ذلك الصقر بالأمان، وهو الذي تعوّد أن يحلق في كبد السماء، بينما يطلق عينيه نحو المستقبل، وكذلك هي الإمارات، تشعرنا بالدفء والأمان، وتظللنا بالخير، حيث يجري الماء من تحت أقدام جناحها، الذي يجاوره نصب الشهداء، أولئك الذين منحوا أرواحهم للوطن، وحيث علق الناس كلماتهم المهداة إلى شهداء الوطن. الموقد، بكل جمالياته، يذكرنا بتلك اللحظات التي تساقطت فيها الثلوج تحت ظلال «الوصل»، إيذاناً ببدء مواسم الأعياد، لتنثر ندفات الثلج تلك، الفرح في قلوب الصغار، وتعلق الابتسامة على ملامح الكبار، الذين غنوا حينها مع فيروز «ثلج ثلج عم بتشتي الدنيا ثلج»، في لحظة ستظل طويلا في الذاكرة.
