في الألوان حياة واكتشاف للنفس، فتأثيراتها تذوب عميقاً، إن تغلغلت فيها تكتشف مدى كمية الجمال الذي تبوح به، فالطبيعة لا تحلو إن كانت مجردة من الألوان التي وجد فيها الفنان الراحل كارلوس كروزديز، حيلة جميلة لاكتشاف تدرجات اللون وتأثيراتها، تلك التي يمكن تجربتها بمجرد أن تطأ مدخل معرضه «التشبع اللوني»، الذي استقر في إحدى زوايا الجناح الفرنسي في معرض «إكسبو 2020 دبي».

المعرض جاء تكريماً للراحل كارلوس كروزديز، الذي توفي قبل نحو 3 سنوات، تاركاً وراء ظهره إرثاً فنياً بصرياً عظيماً، إذ يعد أحد أباء الفن الحركي والفن البصري في العالم، وعبر هذا المعرض سعى كارلوس إلى استخدامه كـ «محفز» لإيقاظ مفهوم اللون باعتباره حقيقة مادية فيزيائية مستقلة، لديها قدرة في التأثير على أحاسيسنا الداخلية، وهي تشبه في ذلك تأثيرات البرودة أو الحرارة وحتى الصوت.

تجربة

المعرض عبارة عن مساحة مضاءة بالألوان الأساسية الثلاثة، الأحمر والأخضر والأزرق، والتي بتفاعلها مع بعضها البعض، تنتج ألواناً أخرى جديدة، تلك المساحة مفتوحة أمام الجميع، لتمكنهم من تجربة سحر الألوان والاستمتاع بها، بمجرد الوقوف تحت أي من هذه الألوان الأحادية، وإتاحة الفرصة أمام النفس لأن تعيش لحظة التشبع بها، لتبدأ باكتشاف التدرجات والألوان الجديدة الناتجة عن تفاعلها مع بعضها البعض.

قد تبدو فكرة المعرض لوهلة بسيطة، كونها تقوم على كتفي ثلاث غرف مضاءة بمصابيح «إل إي دي» بيضاء عادية، ومغطاة بمرشحات تدرج خاصة بها، ولكن في الواقع الفكرة أعمق من ذلك بكثير، فهي تفتح العيون على عملية «التشبع اللوني» تلك الفكرة التي نشأت في العاصمة الفرنسية باريس عام 1965، ومع مرور الزمن تطورت كثيراً، وأصبح لها حضور لافت في المعارض الفنية حول العالم. بمجرد أن تلج المعرض، لن يُطلب منك شيء سوى الوقوف في تلك المساحات المفتوحة، وتحت الأضواء الملونة، وأن تبقى هناك لفترة من الزمن، حتى تشعر ببدء تلاشي اللون الحقيقي. في هذه اللحظة تحديداً، ستكون أكثر قدرة على ملاحظة ظهور التدرجات اللونية، وبالتالي تجربة صداها العاطفي في داخلك.

مساحات

«اللون موجود بمفرده»، تلك جملة ليست عابرة وإنما هي عبارة تعود الراحل كارلوس كروزديز على ترديدها، معتبراً بأن اللون في ذاكرتنا يرتبط دائماً بأشياء معينة، كما الشجر الأخضر، ولكن في هذا المعرض، سعى كروزديز إلى إثبات خلاف تلك القاعدة، بأن التعمق في الألوان تأخذك نحو آفاق ومساحات جديدة.

العمل الفني الذي نظمته مؤسسة كارلوس كروزديز، المكلفة بالمحافظة على إرث هذا الفنان التشكيلي الراحل وتعزيز تواجده عالمياً، يتميز بكونه يشبه الموسيقى تماماً، فالأزرق النابض بالحياة، يبدأ بالتحول نحو الأبيض، بينما الأصفر يأخذك نحو البرتقالي، لتبدو أشبه بلوحة أخاذة، تشكل الألوان عمودها الفقري.