كم يبدو الفرح جميلاً عندما يكون بحجم الإنسانية، وكم يبدو عظيماً عندما يحمل معه روحنا المتوهجة بالحب البشري في صيغته الجمعية، هكذا العالم في إكسبو 2020 دبي؛ ففي رحاب هذا الألق الإنساني، يبتهج القلب لبوابات الفرح، والمسارات المعبدة بالتحايا والترحاب والموسيقى العابرة للقارات، والأجواء الاحتفالية التي تضج بهدير آدمي ينسكب حباً بالحياة، ويمتلئ حبوراً وإحساساً دافئاً بغد واعد لكوكب الأرض والأجيال القادمة.

كل شيء في هذا العرس الأممي، خليط من كل أنماط الدهشة؛ ففي هذه الملحمة الحضارية، تأسر الزائر مناخات مبهجة تتناغم فيها مواطن الجمال مع الإنسان، والتكنولوجيا مع المكان.. هنا، تعيش البشرية حالة من السمو في قلب المستقبل، فأينما حل الزائر، لا يسمع سوى سيمفونية الحضارات التي تعزف لحن الأمل وتنشد مزايا عالم جديد غني بألوان إنسانية رائعة تجسد وجدان دبي بما تملكه من الأصالة والروح العصرية، لتكون نقطة التقاء العالم في العبور إلى الغد الأمثل.

غد أفضل

هنا يتحرر العالم من أصفاد الأفكار التقليدية إلى فضاءات الانفتاح على الابتكارات الثقافية والفنية والتنموية؛ فمع إشراقة كل صباح، ينطلق إكسبو 2020 دبي، متسلحاً بشغف الإبداع، في رحلة نحو حياة أجمل وغد أفضل، حيث يجتمع العالم ليروي حكاياته تحت قبة الوصل، ذلك القلب الفولاذي المملوء بالحب، والنابض بالإبداع الإنساني. ليصير الحدث ملحمة حضارية منسوجة بأبجدية الشمس.

هنا تتباهى التنمية في ثوبها الأخضر الخلاب كعروس تبتهج بزفافها، وتجمع العالم لأجلها في أعظم فرح كوني، فتغدو المأثرة التي تتناغم معها جماليات المعرض وتصاميم أجنحته بكل ما تجسده من بهاء الهندسة المعمارية ورونق الحياة الإنسانية.

ففي مساحة هذا الأفق من الجغرافيا الهندسية الرائعة، تجتمع روعة الفكر مع لياقة المظهر بتوليفة ساحرة، حيث يتألق كل جناح في تشكيل فني غاية في الوسامة المعمارية، والأناقة الإبداعية، يطل من خلاله في ثوبه الخاص كسفير للتنمية الخضراء، متوشحاً بنضارة الطبيعة، ومتزيناً بأنقى مفردات البيئة، وتضيء وجهه أشكال آسرة من إشعاعات الحضارة التي يمتزج فيها التاريخ مع الثقافة، والتراث مع الفن والجمال، ليحاكي تجربة مدينة «فاضلة» غاية في التقانة العصرية والرشاقة التنموية.

مشهدية فاتنة

هنا في رحاب هذا الحدث الكوني، لا حدود للحماس الذي تتوزعه حشود كبيرة من الزوار في مشهدية فاتنة لرؤية العالم في مكان واحد؛ إذ لا شيء يمكن عبوره في هذا الحدث الثري بأبعاده الإنسانية ومفاهيمه الاجتماعية، ودلالاته الحضارية، دون أن يستوقفك شغف المعرفة بأدق التفاصيل؛ ففي جولة استكشافية، على عدد من الأجنحة ستلتقط العين صوراً رائعة وانطباعات مذهلة عن عالم المستقبل؛ فمثلاً: أروع ما في غابة السويد ذلك المزيج المتقن بين طبيعة الشمال الفاتنة وفن العمارة الإسلامية البديعة، وأجمل ما في أستراليا المساحات الزاخرة بالمناظر الطبيعية الخلابة تحت سماء مليئة بالسحب الركامية، وأحسن ما في سورينام اكتشاف حيوانات نادرة تعيش في غابات مظلمة، وأبدع ما في هولندا «مخروط الطعام» الذي ينغمر بنباتات لطيفة صالحة للأكل، وأروع ما في البرازيل قصيدة مياه الأمازون التي تشدو في صحراء دبي، وأبسط ما في أذربيجان أوراق الشجر المستوحاة من الطبيعة، وأصعب ما في سنغافورة الإجابة عن سؤال: أين تبدأ الطبيعة وتنتهي العمارة؟

لوحة بديعة

كل صورة من هذه الصور، هي قصة بشرية، وقصة طبيعة، وقصة منجزات دولة، وحضارة شعب. كل صورة من هذه الصور هي لوحة بديعة الألوان والثقافات من بانوراما إكسبو، يعيش الزائر تفاصيلها عندما يخوض تجربة التانغو الأرجنتيني كجزء من التراث الثقافي الإنساني، وينتقل عبر منطاد المستقبل للقاء «أحدب نوتردام» الذي انتصر على عتمة العزلة في جناح «الضوء»، وعندما يشاهد لقاء العقل المتيقظ في روسيا مع رمز الأمل المشرق في الصين، ثم يكتشف الطبيعة الجميلة لأندورا هذا البلد الجبلي الصغير، وينبهر بلؤلؤ مملكة البحرين، ويقف في بوركينا فاسو نقطة تلاقي الفعاليات الثقافية والرياضات الكبرى في أفريقيا، ثم يقدم التحية والتقدير لتقاليد أنغولا الأصيلة.

إنها لوحات إنسانية وثقافية وتراثية ثرية، تعكس النسيج الوثيق بين الطبيعة الخلابة وعبقرية الإنسان في ابتكار تكنولوجيا الاستدامة. ولعل جناح الإمارات المستوحى من الشكل الانسيابي والقوي لصقر يستعد للتحليق، أبلغ تعبير عن هذه العلاقة وهذه العبقرية، وأغنى صورة عن الإنسان الإماراتي بما يملكه من الإرادة والعزيمة،، والاعتزاز بإرث الماضي، ومد جسور الطموحات نحو المستقبل.

رؤية قيادة

لا شيء أجمل من هذه المشهدية بكل تفاصيلها مجتمعة، ولا شيء أبهى من هيبة الصقر بما يملكه من عزة وإباء وإرادة وانتماء، فلصقر الإمارات الذي يفرض إيقاعاً خاصاً على الوجود، وقار خاص تفيض أمامه مشاعر الإجلال والاحترام والتقدير بأنه ملك الفضاء ذو المعدن الأصيل، والمعطاء، يعكس صورة الإنسان الإماراتي المعتز بنفسه، والمتسلح بحب الوطن.

فعلى امتداد رمزية الصحراء في جناح الصقر، ثمة سرد موحد ومتقن، يستدعي إلى الذاكرة ملامح وجوه انجبلت في قسماتها العزيمة والإرادة والصبر والتبصر، لتكتب رؤية قيادة حكيمة صنعت مجتمع «اللامستحيل» لا سماء لتطلعاته الطموحة، كما صنعت تماماً ملحمة العبور الحضاري، من ساروق الحديد قبل أربعة آلاف عام، إلى أضخم حدث كوني في كوكبنا: إكسبو 2020 دبي.

ومن يسبر حكمة البيداء أكثر، سيقرأ في ذاكرة كل حبة رمل منثورة داخل جناح «الصقر»، قصة إرادة، ورواية وطن، وحكاية إنسان، يتعرف من خلالها إلى فلسفة الصحراء بما تحمله من قيم نبيلة تربى عليها شعب السعادة، وحقق في ظلال «غافها» الرؤية والوحدة.

هكذا.. في كل تفصيل لجناح الصقر، الممتد على مساحة ألف فدان، حكاية تروي تاريخ المبدعين الأوائل الذين سطروا بحبر القلب قصة وطن ملهم بقيمه الإنسانية الأصيلة، وحكاية مستقبل يفيض بطموحات علياء لا تحدها سماء.

وفي بياضه المتوهج بالصفاء، ينتمي جناح الصقر إلى كل الأجنحة وكل الأزمنة؛ وكل العالم، ويعكس رؤية البشرية في صناعة مستقبل واعد، تماماً، كما يعكس حقيقة الإمارات المشبعة بالأصالة والروح الحضارية والانفتاح؛ ففي موطن الحلم والإنجاز، تتمازج التنمية مع بناء الإنسان، ورائحة الماضي مع الحاضر لتنتشر برفق في فضاء إكسبو.

لغة فريدة

بين هذا البياض الباهر وتلك العوالم الزاهية للحدث الأروع في العالم، ثمة لغة فريدة، في إكسبو دبي، تتمرد في إحساسها، على مجازات التعبير ومفردات القواميس، لذلك، لا يكفي حبر مفرداتنا لرسم مشاعرنا في لوحة واحدة تستوعب جميع المشاهدات؛ فهذا العرس الأممي الذي ولد من رحم صحراء بكر، يفيض بما لا يستطيع مداد القلم استيعابه في جولة واحدة، أما جولتنا، فستبقى جزءاً من تجربة حياتية، ومحاولة لقراءة دلالات هذا التفوق البشري الذي يوثق على جدران القلب رسالة أمل رائعة أجمل ما فيها «أن نور الإرادة الإنسانية سيبقى مشرقاً ولن ينطفئ في دبي».