للوهلة الأولى قد تظنها لوحات عادية، تجمع في إطارها صوراً مختلفة جلّها تأرجح بين الأبيض والأسود، قد لا تهتم بها أو ترمقها بنظرة خاطفة، ولكن في الواقع تبدو خلاف ذلك، إن دققت النظر فيها، ستجدها صوراً قد خرجت من رحم ذاكرة الناس الذين عاشوا في جزر الباهاما؛ عاشوا لحظات عصيبة من الزمن، ووقفوا أمام أعاصير ضربت تلك البلاد مرات عديدة، ولعل أبرزها إعصار أباكو العظيم الذي أطل بكامل قوته في عام 1932.
 
تلك اللوحات وعددها ثلاث، زينت جدران جناح جزر الباهاما، حملتها ليان راسل، وزميلتها فال فلاكس بعنوان «طبقات» لتعكس من خلالها نوعية التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تخلفها الكوارث الطبيعية، وكيف للشعوب التي تتعرض لها أن تتكيف معها ومع ظروفها الجديدة.
 
في اللوحات الثلاث التي شكلتها أنامل ليان وفال، أدت الأعاصير دور البطولة، إذ تضم صوراً لإعصار دوريان الذي ضرب جزيرة غرين ترتل كاي وجزر أباكو، والتي رافقتها صور أرشيفية لإعصار أباكو العظيم، فيها تقدم ليان راسل من كثب لمحة خاصة عن تأثيرات هذه الأعاصير، وكيف استطاع شعب غرين ترتل كاي التكيف معها، مسلطة الضوء على قدرة هذا الشعب على تجاوز التحديات وإعادة الإعمار والبناء والتخطيط، وقدرة توارثوها عن أجدادهم الذين مروا على الأرض ذاتها.
 
سرديات
 
في المقابل، ذهبت فال فلاكس نحو استخدام قطع الشمع الساخن في صياغة وتشكيل لوحاتها، لتعكس من خلالها مجموعة من السرديات الخاصة، بماضي جزر الباهاما وحاضرها، وسعت من خلال تقنيتها هذه إلى تقديم روايتها الخاصة عن شعب الباهاما وكيف تمكن من تجاوز التحديات التي تعرض لها على مر التاريخ، ليقف على عتبات المستقبل.
 
ما تقدمه لوحات «طبقات» يكاد يمثل جزءاً من حكاية جزر الباهاما، التي تتسع حدودها لتضم أيضاً قصصاً أخرى ملهمة، تسعى جزر الباهاما إلى «حمايتها» من تقلبات الزمان، كي لا تذهب أدراج الأعاصير، تسعى جاهدة إلى نقلها للأجيال القادمة، وخاصة تلك التي تتعلق بالمثل والعادات والتقاليد التي تميز شعب تلك المنطقة من العالم.
بين جنبات جناح جزر الباهاما، حكايات أخرى يمكن أن تستمع إليها، وطقوس لك أن تتعرف إلى ملامحها، كما «طقس خروج أهل جزيرة أندرزس، في سكون الليل مع الماعز والدجاج والكلاب، يحملون بأيديهم مشاعل بينما تلهج ألسنتهم بترانيم معينة صيغت على إيقاع موسيقي له طابع إفريقي، يذرفون الدمع على أحبائهم الذين يعانون سكرات الموت»، وكذلك طقوس أهل جزيرة لونغ آيلاند، الذين تعودوا الالتفاف حول مواقد الدخان، من أجل طرد الناموس، حاملين آلة الأكورديون والدفوف، بينما تردد النساء أهازيج شعبية قديمة تنتمي إلى إيرلندا.
 
حكايات
 
في جناح جزر الباهاما، حكايات أخرى، تسردها الفنون وصدفات اللؤلؤ التي نحتتها أيادٍ حرفية على الصخر، لتشكل من خلالها أعمالاً فنية قادرة على أسر العيون وعشاق الفنون، كتلك اللوحة التي تشكلت من القواقع البحرية، التي سارت على دروب المدرسة الفنية التجريدية، إذ جاءت هذه اللوحات ضمن مشروع حرفة الأعمال الفنية بالقواقع البحرية في جزر الباهاما، والتي تعكس شغف شعبها بالفنون والتشكيل.