على جناحي الطير، حملوا سلامهم لأرضهم، طرزوه بألوان المحبة، التي نثروها على رؤوس أولئك الذين توافدوا على ساحة اليوبيل، ليستمعوا إلى حكايات «ظريف الطول» الذي عرفته الحكاية الشعبية الفلسطينية، ونسجت حوله أغنيات كثيرة، لا تزال حاضرة في الذاكرة، حكايات ظريف الطول كثيرة وهو الذي غادر البلاد وأصبح «ابناً للغربة»، وقد اشتعل قلبه حنياً لأرض الزيتون والزعتر، وهو من أشعل «الشيب» في رأس من عرفته، فأصبح لسانها يلهج باسمه، تلك الحكايات سردها الفنان طوني قطان على مسامع الحضور، قدمها على شكل أغنيات طاف بها أرجاء فلسطين، وتنقل بين مدنها كما طير تعود أن يحط على أغصان التين والزيتون. لم يستكن الجمهور مع أغنيات قطان، الذي عطر السماء برائحة النعناع، فقد تفاعل معه كثيراً مطلقاً العنان لصفقاته، وقد اصطفت الأكتاف بجانب بعضها بعضاً لتشكل حلقات وخطوطاً طويلة، بدايتها رجل يلوح بطرف كوفيته، وآخرها طفل تطاير في السماء فرحاً، وما بينهما كانت أجيال مختلفة، عشقت الدبكة واحترفتها، فكانت جزءاً من الحكاية. طوني قطان غنى كثيراً لفلسطين في يومها الوطني، حلق عالياً في السماء، وحط مع جمهوره في كافة المدن الفلسطينية.
المشهد الموسيقي الفلسطيني، أول من أمس، لم يكن قاصراً على طوني قطان، الذي لم يكد يغب عن الخشبة، حتى أطلت زميلته الفنانة منال موسى، تلك التي ارتدت فستاناً أسود موشحاً بالأحمر، أطلت منال بكل هدوء، لتأخذ جمهورها في رحلة نحو الماضي، حيث قطفت منال موسى بعضاً من أغنيات فلسطين الشعبية التي لا تزال الأجيال تتوارثها، فكانت أغنية «الجّمال» التي أعادت من خلالها الذاكرة إلى لحظات السفر التي كانت تستغرق أياماً، حين كان المسافرون يحملون معهم «سلام» المحبين والعشاق. قائمة الأغنيات التي قدمها منال موسى، بدت طويلة، بعضها ولد من رحم العرس الفلسطيني، وفيها لم تتوقف طويلاً عند «ظريف الطول»، وإنما ذهبت ناحية «العروس» لتأخذ بيدها لتخضبها بعروق الحناء ذي اللون البني، لتعيد بذلك الوهج إلى واحدة من التقاليد الفلسطينية العريقة.
جمال
إن تذكر فلسطين، فلا بد أن تذكر «الدبكة الشعبية»، تلك الرقصة ولدت على تراب «سيدة الأرض» وارتبطت في الوجدان، عرفها الجميع وعشقها الكبار قبل الصغار، حتى باتت رمزاً خالصاً لأبناء تلك الأرض. حفل اليوم الوطني الفلسطيني على مسرح اليوبيل لم يكن له أن يمضي من دون أن تثبت «الدبكة حضورها في المكان»، حيث دقت أقدام أبناء فرقة الأصايل للدبكة، خشبة المسرح، لتترك فيها أثراً وتخلق منها إيقاعاً خاصاً، تتغير حركته وتأثيره مع تغير الحكاية واللوحة الفنية التي يمضي في دروبها أبناء الفرقة، والذين زاروا مع جمهورهم مدن فلسطين بأكملها.


